3- الحب والقضبان ( حلقة 3)

" ملحمة الحرافيش " هى إحدى الرويات العظيمة للكاتب العالمى الحائز على نوبل " نجيب محفوظ" والتى أتشرف بعرض ملخص دقيق لها غير مخل بأحداثها الكثيرة فى مدونة " إبداع القلم"، وهى بحق رواية ممتعة خصبة ودسمة بالأحداث والتى تعكس ذلك الصراع الأبدى بين الخير والشر وقد كان من نهج نجيب محفوظ الترميز فى أعماله القصصية فجعل من الحارة المصرية رمزا للوطن وأبناء الحارة هم الجمهور والفتوات هم رمز للسلطة وفى هذه الرواية أظهر تباينا بين سلوك من تولوا السلطة أو الفتونة فى هذه الحارة منذ ظهور عاشور الناجى مرورا بأحفاده الذين تباينوا بين الخير والشر وبين حب أهل الحارة وبين التجبر عليهم، وسأعرض للملخص فى حلقات كثيرة آملا فى المتابعة المستمرة لكل ما هو شيق تقدمه المدونة خدمة للقارئ العربى فى زمن عز فيه الكتاب وغلا ثمنه وشحت فيه الأوقات المتاحة للقراءة، فإلى سلسلة ملحمة الحرافيش والحلقة الثالثة بعنوان " الحب والقضبان"......

3- الحب والقضبان ( حلقة 3)

3- الحب والقضبان ( حلقة 3)

الحلقة السابقة بعنوان " شمس الدين الناجى" اضعط هنا

حزن الجميع لوفاة شمس الناجى وتناسوا أخطائه وتذكروا فقط محاسنه وأنه حاول قدر إمكانه الحفاظ على عهد الناجى ويكفى أنه عاش ومات فقيرا...

لم يرث أحد من أبناء شمس الدين الفتونة سوى سليمان وقد بدأ عهده مبشرا وحافظ على نهج أبيه وجده من حيث أخذ الإتاوة من الأعيان وإعطائها للفقراء والحرافيش ولكنه كانت تتنازعه دائما نزعتان نزعة حب الإستمرار على نهج أسلافه ونزعة الميل إلى حياة الأغنياء والوجهاء...

وهو ما يزال فى مقتبل شبابه آثر أن يتزوج أملا فى أن يعصمه الزواج من الوقوع فى الخطيئة والزلل وإختار فتحية أخت صديق طفولته وصباه وساعده الأيمن فى الفتونة عتريس وعاشا معا لعشرة أعوام على خير ما يكون وأنجبت له فتحية خلالها بنات ولكنها لم تنجب له الولد...

فى أحد الأيام شاهد سنية السمرى إبنة كبير تجار الدقيق وهى تركب الدوكار فتعلق بها فؤاده وسحره جمالها وبهاءها وتمنى أن تكون له زوجة وبعد أن فاتح عتريس أخو زوجته الذى لم يعترض، توجه إلى سعيد الفقى شيخ الحارة الذى توسط له عند أبيها الذى وافق على مضض إذ أنه كان يكره سليمان ولكنه أمل أن تكون مصاهرته لسليمان الناجى سندا له فى تجارته ولكنه إشترط إقامتهما معه فى جناح خاص إلى أن يبنى سليمان دارا خاصة  ووافق سليمان من فوره...

إستقبل الفقراء والحرافيش نبأ زواجه من سنية السمرى الثرية بريبة إذ أنهم خافوا أن يجعله هذا الزواج ينكص عن عهد جده وأبيه فيميل إلى الأغنياء على حساب الفقراء أما فتحية فقد حزنت ولكنها قنعت فى نهاية الأمر بمصيرها....

إجتذبت الحياة الجديدة بما تحويها من رفاهية سليمان الناجى فأضحى يفضل المكوث فى دار سنية عن المكوث فى دار فتحية وأصبح الرياش الناعم هو ما يريحه وصدق ظن الفقراء إذ أصبح يميل إلى الأغنياء وحتى يوازن بين حياته مع فتحية وحياته مع سنية أخذ يقتطع من الإتاوة نصيبا له ولبناته ولم يجد غضاضة فى أن يمنح أعوانه أجزاء من الإتاوة كما أنه وتبعا للحياة الرغدة التى بدأ يعيشها ترهل جسده وثقلت حركته وأصبحت الفتونة بالنسبة له شئ ثقيل على النفس وصار معتمدا على صيته السابق وعقد تحالفات مع فتوات الحارات المجاورة بل لم يتورع عن مدهم بالمال كى ينأى بنفسه عن العراك معهم...

أنجبت له سنية (بكر وخضر) وكلاهما نشأ فى دار السمرى مترفا لا يميل أيهما لحياة أبيهما أو حياة أجدادهما وعملت أمهما على جعلهما تجارا وأنشأت لهما محلا لبيع الغلال فصارا من التجار الوجهاء أما بنات سليمان من فتحية فقد تزوجن من حرفيين متوسطى الحال...

فى البداية إغتم سليمان من أنه لم يجد من ولديه من يشبه أسلافه ولكنه قنع بأن هذه هى النتيجة الحتمية للتربية المرفهة التى ترعرعا فيها...

قامت سنية بتزويج إبنها بكر من رضوانة كريمة الحاج رضوان الشبكشى العطار وهو تاجر واسع الثراء عاشق للهو والطرب ورضوانة تلك كانت متمردة على زوجها ومهما فعل لها بكر الذى يكن لها حب خالص فإنها لم تكن لترضى أو لتسعد....

أما خضر فقد رفض عروض أمه كى يتزوج لأن من تعرضهن عليه لسن كما يتمنى فى مخيلته وأنعقدت بين رضوانة وخضر صداقة وكان كثيرا ما يتردد عليها يسألها عن طلباتها فى أثناء غيبة أخيه بسبب ترحاله فى تجارته وفى إحدى المرات صارحته رضوانة بأنها عندما عرفت بأن أمه سنية تطلبها للزواج من إبنها، فقد ظنت أن العريس المقصود هو خضر وليس بكر وذلك لسابق رؤيتها له وإعجابها بشكله وهيئته وكذلك لأنها كانت تظن أن سنية ليس لها سوى إبن واحد هو خضر ولكنها تفاجئت بأن عريسها هو شقيقه بكر الذى لم تحبه أبدا وهذا تفسير توتر علاقتها معه ولكن خضر عندما سمع إعترافها زجرها ونهرها وأوضح لها خطأ هذا الطريق مما جرج كبريائها فدبرت إنتقاما...

عندما عاد بكر من رحلته التجارية ألمحت رضوانة له بما يفيد عدم تحملها للمعيشة فى نفس المنزل الذى يعيش فيه خضر وأثار ذلك التلميح تساؤلات سيئة الظن فى عقل بكر فلم يتمهل بل ذهب من فوره لشقيقه خضر كى يضربه وكان شجارا عنيفا وصلت أخباره إلى أبيهما الذى عمل على إستجواب الجميع     ( بكر وخضر وسنية ورضوانة) حتى يستجلى الحقيقة ولكنه فوجئ بعد فترة قصيرة من هذا الحادث برحيل خضر المفاجئ عن الدار دون علم أحد مما عدّه فى نظره إعترافا بخطأ ما قد إقترفه مع رضوانة....

كانت فضيحة بالغة وكانت بمثابة اللطمة الموجعة على وجه سليمان، ونتج عن ذلك أن إزداد شراسة وفظاظة وترهل جسده أكثر فأصبح مكرشا وإزداد نهمه إلى الطعام وإفراطه فى النوم حتى أصابه شلل نصفى إضطره إلى الرقاد على فراشه عاجزا وظلت زوجته سنية ترعاه فى صبر وحزن وقد ظلت حاله كذلك لبضعة أعوام حتى تمكن من الحركة متوكئا على عكازين وبسبب المرض الذى داهم سليمان فقد أصبح عتريس هو الفتوة الفعلى للحارة وفى بداية المرض كانت زيارات عتريس لسليمان تتوالى مع إظهار للإحترام والولاء بل إن عتريس كان يعطى سليمان نصيبه من الإتاوة كاملا دون نقصان ولكن ما لبث أن تناقص ذلك كثيرا حتى تلاشى نهائيا إذ أعلن عتريس أنه الفتوة الأوحد وإستأثر بالإتاوات هو وأفراد عصابته وأظهر للفقراء والحرافيش زجرا ومعاملة سيئة فعادت بذلك الفتونة لسابق عهدها قبل ظهور عاشور الناجى....

أصبح سليمان تعسا كئيبا لا يرحب بأحد ولا يرحب به أحد وأصبحت سنية هى أيضا تمل منه وتركت العناية به لجارية وأصبحت كثيرة الخروج من المنزل مما جعله يواجهها بذلك فأجابته بفظاظة بأن ذلك لأن المنزل لم يبق به شئ وحينئذ أضمر فى نفسه تطليقها وبالفعل طلقها وعاود السكنى مع فتحية زوجته الأولى لبقية عمره وكان يدعو دائما الله بألا يجعله أبدا يمد يده سائلا إبنه بكر...

أنجب بكر من رضوانة أبنائه: رضوان وصفية وسماحة وظلت علاقته مع رضوانة على حالها من التوتر فهى لا ترضى أبدا مهما حاول إسعادها وإرضاءها مما جعله فى النهاية يستسلم للإكتئاب وللحزن...

وتوفى والد سنية وورثت عنه مالا طائلا أعطته لبكر فإزداد ثراءا وظل يشترى لرضوانة كل ما تقع عليه عيناه من مجوهرات ولكن عبثا فهى لا تبادله الحب وعندما توفى والد رضوانة (السيد رضوان الشوبكشى) مفلسا لإسرافه فى اللهو تم عرض دار الشوبكشى للبيع فما كان من بكر إلا أن أشتراها كى يهديها لرضوانة علها تتغير فى معاملتها له ولكنها ظلت كما هى وسعيا لإرضاءها كذلك فقد ألحق أخيها الأصغر إبراهيم الشوبكشى بالعمل عنده بل جعله وكيلا لأعماله...

وفى أحد الأيام إستيقظ بكر على فضيحة جديدة مسته هذه المرة فى الصميم إذ هربت والدته سنية مع شاب سقاء (يعمل بمهنة السقاية) وتزوجت منه وبعد ذلك بفترة توفى سليمان الناجى وشيعته الحارة ودفنوه بجوار والده شمس الناجى....

ثم تأتى لطمة أخرى إذ يعلن بكر إفلاسه نتيجة دخوله فى مغامرة تجارية وتحزن زوجته لذلك ولضياع النعمة والرفاهية وتزامنا مع ذلك يعود خضر إلى الحارة فجأة باديا عليه ثراء جم من تجارته التى زاولها فى غربته ولأن عودته تصادفت مع عرض أخيه أملاكه للبيع بسبب الإفلاس، فقد عرض عليه خضر المساعدة مخلصا ولكن أخيه بما فى نفسه من إكتئاب رفض يد أخيه الممدودة بالمساعدة، ولاحظ بكر سعادة رضوانة بعودة خضر فتكاثرت فى رأسه الظنون ونعتها بالقذرة وواجهها وأخذ يضربها فظنها لسكونها قد ماتت وفى أتون اللوثة العقلية التى أصابته ذهب إلى أخيه خضر يريد قتله وطعنه ولكنه إستطاع الإفلات منه وتم القبض عليه ولكن لأنه لم يقتل أحد فقد خرج براءة من التهم ومن وقتها هرب من الحارة ولم يره أحد...

إعتنى خضر برضوانة وأولاد أخيه الهارب وحرر ممتلكات أخيه من الدائنين وقام بتعيين إبراهيم الشوبكشى وكيلا ومشرفا على أعماله وكان من الواضح أنه قد صفح عن كل شئ قد سبق وواتته الشجاعة فى أحد الأيام فأعترف لرضوانة بأن عدم زواجه إلى الآن يعود إلى حبه البرئ لها ولكنه لم يكن أبدا ليطعن أخيه فى شرفه....

ونتيجة رعاية خضر المفرطة لرضوانة فضلا عما سبق من أحداث فقد كثر لغط الناس بأنه ثمة علاقة بين خضر ورضوانة وأنهما يحبان بعضهما مما أثار حفيظة أخيها إبراهيم الذى واجه أخته بما يقوله الناس وأثناء محادثته معها تبين له أنها تنتوى طلب الطلاق من بكر الذى هرب وهجرها هى وأولادها وظن إبراهيم ذلك لنيتها الزواج بعد ذلك من خضر ( مما فى رأيه يؤكد ظنون أهل الحارة) فقام بخنقها بيديه وماتت رضوانة فدخل إبراهيم السجن لقتله أخته ومن يومئذ والحارة فى حالة إضطراب وعادت الفتونة لعهدها القديم الكريه قبل ظهور الناجى وذلك على يد عتريس وعصابته....

الحلقة القادمة بعنوان " المطارد" اضغط هنا

يتبع