3- إغتيال أحمد ماهر والنقراشى

قسم جديد يعرض لأشهر الإغتيالات السياسية عبر التاريخ، ولجوء الأفراد أو الجماعات لإرتكاب عمليات الإغتيال مرده أحد أمرين أحدهما أن الذى يتم إغتياله هو إصلاحى مما يوغر أعداء الإصلاح عليه فيريدون قتله لإيقاف مسيرته الإصلاحية، والأمر الآخر أن شخصية من يتم إغتياله قد بلغت من الإيذاء والتجبر والصلف والغرور حدا يجعل الناقمون عليه كثر وهم لا يجدون ثمة وسيلة لإبعاده عن المشهد مما يضطرهم لإرتكاب الإغتيال وهو جريمة نكراء لا شك، وسنعرض من خلال المقالات لأشهر قصص الإغتيال عبر التاريخ ، ,ومع ثالث الحلقات فى هذه السلسلة وهو حادثا إغتيال أحمد ماهر والنقراشى ، فإلى المقال.....

3- إغتيال أحمد ماهر والنقراشى

3- إغتيال أحمد ماهر والنقراشى

فى خلال الخمسين عام الأولى من القرن العشرين، شهدت الحياة السياسية فى مصر إغتيال ثلاث رؤساء للوزراء بدءا من بطرس باشا غالى ( الجد) فى عام  1910 انتهاءا بالنقراشى باشا فى عام 1948، وفى ذلك المقال سنستعرض إغتيال كلا من أحمد ماهر والنقراشى وقد سبق لنا إستعراض إغتيال بطرس باشا غالى فى مقال بعنوان ( إعدام الوردانى- غزال البر صابح ماشى ) ولقراءة المقال اضغط هنا

أحمد ماهر:

هو أحمد ماهر باشا، الوفدى العريق، الذي لقى مصرعه في البهو الفرعونى بمجلس النواب متأثراً بإصابته بعد إطلاق الرصاص عليه. وهناك تاريخان لمولده، الأول أورده محمد السوادى في كتابه «أقطاب مصر بين الثورتين»، وهو عام ١٨٨٥م، والثانى ١٨٨٨م الذي أورده الدكتور يونان لبيب رزق، في كتابه «تاريخ الوزارات في مصر»، المصادر التاريخية اتفقت على أنه تخرج في مدرسة الحقوق عام ١٩٠٨ ووالده هو محمد ماهر، وكيل وزارة الحربية ومحافظ القاهرة، وهو الأخ الشقيق للسياسي علي ماهر باشا.

عمل عامين بالمحاماة، ثم سافر عام ١٩١٠ إلى فرنسا التي حصل فيها على الدكتوراه في القانون والاقتصاد من جامعة مونبيلييه، وبعد حصوله على الدكتوراه عاد إلى مصر عام ١٩١٣ ليعمل في مدرسة التجارة، التي التقى فيها بزميل عمره محمود فهمى النقراشى، فتزاملا وسارا معاً تحت راية سعد زغلول....

سابقة إتهامه بجريمة إغتيال!!!

 التحق مع النقراشى بأجهزة عبدالرحمن فهمى «السرية»، وألقى القبض عليهما بقضية اغتيال حسن عبدالرازق وإسماعيل زهدى، أمام مبنى جريدة «السياسة» عام ١٩٢٢، ثم أفرج عنهما لعدم ثبوت الاتهام، ثم قبض عليهما مرة أخرى معاً في مايو ١٩٢٥ بتهمة تشكيل جماعة سرية للاغتيالات، وشكل سعد زغلول هيئة للدفاع عنهما، كان على رأسها المحامى المغوار آنذاك مصطفى النحاس باشا، الذي حصل لهما على البراءة بعد أقل من عام...

السياسة تفرق بين الأصدقاء:

 بعد ذلك بعشر سنوات، كانت السياسة سببا للشقاق بين النحاس وأحمد ماهر ، وذلك حينما انشق ماهر والنقراشى عن حزب الوفد، فإن الثانى ظل طوال حياته لا ينطق ولا يسمح لأحد بأن ينطقه بكلمة تسىء للنحاس، وإذا كان أحمد ماهر قد حفظ لمصطفى النحاس دوره في الدفاع عنه فإن ذلك لم يمنعه من أن يتطلع لرئاسة حزب الوفد بعد رحيل الزعيم سعد زغلول، كما رأى أحمد ماهر والنقراشى أحقيتهما في شغل موقع سكرتيرى الحزب أكثر من مكرم عبيد، لأسبقيتهما في الارتباط بـ«سعد زغلول» ودورهما في الكفاح السرى الذي كاد يعرضهما للموت أكثرمن مرة.

 كانت المنافسة بين ماهروالنقراشى من جانب والنحاس ومكرم من جانب آخر أشبه بمقدمة للانشقاق، الذي حدث بين عامى ١٩٣٧ و١٩٣٨، بعد أن خرج ماهر وغالب والنقراشى مع مجموعة من شباب «الوفد» وشكلوا «الهيئة السعدية»، وحين أبرمت معاهدة ١٩٣٦ كان أحمد ماهر يحتل موقع رئيس مجلس النواب، وحين ألف مصطفى النحاس وزارته الرابعة في أول أغسطس ١٩٣٧ خلت من مجموعة أحمد ماهر مثل محمود غالب، وعلى فهمى، والنقراشى، ومحمد صفوت، وانفجر الموقف داخل «الوفد» وفى الجبهة المعادية للحزب، تبادل الفريقان الاتهامات وخرجت مظاهرات تنادى بوحدة «الوفد» وتبادل النحاس والنقراشى خطابين شديدى اللهجة في ٧ و١٠سبتمبر وصدر قرار الحزب بالإجماع بفصل النقراشى في ١٣سبتمبر ١٩٣٧، وبقى أحمد ماهر في «الوفد»، و لكن فى اجتماع داخل حزب الوفد لتجديد الثقة بالنحاس بعد دفاعه عن الحقوق الدستورية للملك، كان هناك تأييد تام لسياسته ولكن عارضه ثلاثة هم: أحمد ماهر، وحامد محمود، وإبراهيم عبدالهادى، فصدر قرار بفصلهم في ٣ يناير ١٩٣٨ على إثر إقالة وزارة النحاس في٣٠ ديسمبر ١٩٣٧، وظن أحمد ماهر أن التكليف بتشكيل وزارة جديدة سيذهب إليه غير أنه فوجئ به يذهب إلى محمد محمود باشا، صاحب وزارة «اليد الحديدية»، الذي حل البرلمان الوفدى. وفى الوزارة الرابعة لمحمد محمود باشا في يونيو ١٩٣٨ دخل أحمد ماهر باشا والنقراشى ومحمود غالب وحامد محمود الوزارة ليشاركوا في إحكام القبضة «المحمودية» على الشعب وفى قمع الحريات، لتكون هذه بداية السقوط.

تولى رئاسة الوزراء فترتين الأولى من 8 أكتوبر 1944 حتى 15 يناير 1945، والثانية من 15 يناير 1945 حتى 24 فبراير 1945 ، وقد عينه الملك فاروق رئيساً للوزراء إثر إقالته مصطفى النحاس باشا.

بعد توليه الوزارة، أعلن ماهر المشاركة في الحرب العالمية الثانية فى جانب دول الحلفاء ضد دول المحور وأعلن كذلك انضمام مصر للأمم المتحدة، وحينها عقد أحمد ماهر جلسة سرية مع مجلس النواب لشرح المكاسب التي ستحصل عليها مصر من مشاركتها في الحرب، وتمكن بالفعل من الحصول على تأييد شبه جماعي للمشاركة في الحرب العالمية الثانية، وقد كان ذلك الأمر هو السبب الرئيس لإغتياله.

حادثة الإغتيال:

فى ٢٤ فبراير ١٩٤٥، وبعد أن ألقى أحمد ماهر، بيان الحكومة حول إعلان الحرب على خصوم الحلفاء في مجلس النواب وأثناء انتقاله إلى مجلس الشيوخ عبر البهو الفرعونى لكى يدلى ببيانه، قام شاب يدعى محمود العيسوى، كان عضوا بالحزب الوطنى، ومحامى في مكتب سكرتير الحزب عبدالرحمن الرافعى، بإطلاق الرصاص عليه فأصابه في مقتل وعلل إقدامه على اغتيال ماهر بأنه تسبب في إعلان مصر الحرب على ألمانيا واليابان، وعلى إثر مقتل أحمد ماهر اتجهت نية الملك نحو تعيين النقراشى باشا وزيراً للداخلية بالنيابة، وبذلك تبقى الوزارة بلا رئيس غير أن محمد حسين هيكل باشا، رئيس مجلس الشيوخ، أشار على الملك بتعيين النقراشى رئيساً للوزارة باعتباره نائب رئيس الهيئة السعدية، على أن تبقى الوزارة كما هى، وفى ساعة متأخرة من نفس العام تم تأليف وزارة النقراشى دون أي تغيير باستثناء وجود النقراشى على رأسها، ووزيرا للداخلية.

من هو "محمود العيسوي"؟

كان العيسوي ضمن صفوف الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم مصطفى كامل، وضمن الشعبة المدنية في الحزب التي تم تأسيسها لمقاومة الاحتلال الإنجليزي، وهو من مواليد قرية «بني غربانة» التابعة لمركز قويسنا بمحافظة المنوفية، وحصل على شهادة الحقوق عام 1939 ودبلوم القانون الخاص عام 1940، ودبلوم القانون العام بتفوق عام 1941، وأعد رسالة للدكتوراه في الحقوق بعنوان «مركز مصر الدولي بعد إبرام معاهدة سنة 1936»، وبهذه المواصفات نحن أمام شاب متفوق علميا، وحسب كتاب «نضال شعب مصر»، فإنه عمل محاميا في مكتب عبدالرحمن الرافعي، لكنه لم يكن يباشر الدعاوى التي يتم تداولها في المكتب، وإنما تفرغ تفرغا تاما لقضايا مصر داخليا وخارجيا.

لم يندم على فعلته:

كان العيسوي، ضمن فريق صقور الحزب الوطني، ويرى هذا الفريق أن العنف المسلح هو الوسيلة الوحيدة لإجبار الاحتلال على مغادرة مصر، وفي مسار محاكمته لم يُبدِ أي ندم على ما فعله، فبعد أن تولى محمود فهمي النقراشي رئاسة الحكومة فور اغتيال ماهر، أمر بإحالة القضية إلى المحكمة العسكرية العليا برئاسة «محمود منصور بك» وعضوية حسن حمدي بك واثنين من العسكريين.

وفي تحقيقات النيابة اعترف الشاب محمود العيسوي في كلمات مقتضبه، أنه كان ينتمي للحزب الوطني المعارض لتوجه أحمد ماهر باشا، وأنه أقدم على فعلته ليمنع قرار دخول مصر الحرب مع إنجلترا من مبدأ أن الأولى بالحرب هم الإنجليز المحتلون وليس الألمان الذين لم يحتلوا أرض مصر ولم يمارسوا فيها أي فظائع، فلماذا نحاربهم ولم تجمع بيننا عداوة من قبل بينما نترك من يسرق أقواتنا فعلا؟

واقتاد الحراس الشاب محمود العيسوي إلى المشنقة، وحين سُئل عما يطلبه، أجاب بأن يسمح له بالصلاة، فتوضأ وصلى الصبح، وتوجه يوم 18 سبتمبر 1945 إلى حبل المشنقة، وقبل وضع «الطاقية السوداء» على رأسه قال كلمته: «أنا لا يهمني إلا حكم التاريخ، وأرجو من الصحفيين ألا يشوهوا سمعتي كما شوهوا القضية، وكلمتي لهم ألا تفتروا على ميت».

محمود فهمى النقراشى:

ولد بالاسكندرية عام 1888م وتخرج في مدرسة المعلمين العليا وعمل مدرسا بمدرسة رأس التين الثانوية وتنقل في مناصب التعليم الي ان عين سكرتيرا عاما لوزارة المعارف ثم وكيلا لمحافظة القاهرة واختير عضوا في الوفد المصري مع سعد باشا زغلول ثم اصبح وكيلا لوزارة الداخلية وأحيل المعاش واعتقل عقب مقتل السردار الانجليزي سيرلي ستاك سنة 1924 ثم أفرج عنه وصار وزيرا للمواصلات سنة 1930 وتزوج سنة 1934 ورزقة الله بولديه: هاني وصفية.. وقد صار هاني دكتورا مهندسا الان ويقيم بألمانيا وله نشاط كبير في مشاريع هندسية خاصة بمصر اما صفية فقد تزوجت من د. شامل نجل ابراهيم باشا دسوقي اباظة .

تألق نجمه وتولي رئاسة الوزارة مرتين: الاولي في 24 فبراير سنة 1945 حتي 15 فبراير سنة 1946 والثانية في 9 ديسمبر سنة 1946 حتي اغتياله فتولي رئاستها بعده صديقه ابراهيم باشا عبدالهادي رئيس الديوان الملكي انذاك وذلك بتكليف من الملك فاروق .

ومن المواقف الوطنية المشهودة للنقراشي باشا انه أعلن علي الملأ في مجلس الامن يوم 5 اغسطس 1947 انه علي بريطانيا الجلاء التام ودون أية شروط ومن أعمال وزارته: كهربة خزان اسوان وانشاء كلية الضابط البحرية بالاسكندرية وانشاء البنك الصناعي وقناطر ادفينا وتأميم شركة النور بالقاهرة وغير ذلك الكثير ويذكر المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي (1889 ­ 1966) ان النقراشي باشا كان وطنيا شريفا نزيهما نظيف الذمة المالية ومن القلائل الذين لم يتربحوا من وراء مناصبهم . 

فى 8 ديسمبر 1948، اتخذ قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين مما يعتبره المؤرخون السبب الرئيس لإغتياله.

حادث الإغتيال:

فى  28 ديسمبر1948، وفي العاشرة الا الثلث من صباح ذلك اليوم، دخل ضابط بوليس برتبة ملازم اول صالة وزارة الداخلية في الطابق الاول فأدي له حراس الوزارة التحية العسكرية وأخذ يقطع الوقت بالسير البطيء في صالة الوزارة كأنه ينتظر شيئا وعندما أحس بقرب وصولة دولة النقراشي باشا اتجه نحو الاسانسير ووقف بجانبه الأيمن وفي تمام العاشرة وخمس دقائق حضر النقراشي باشا ونزل من سيارته محاطا بخرسة الخاص واتجه للأسانسير فأدي له هذا الضابط التحية العسكرية فرد عليه مبتسما وعندما أوشك النقراشي علي دخول الاسانسير اطلق عليه هذا الضابط ثلاث رصاصات في ظهره فسقط قتيلا ونقل جثمانه إلي داره بمصر الجديدة وأعلنت محطة الاذاعة الحداد لمدة يومين تقتصر فيهما البرامج علي القرآن الكريم والأخبار والأحاديث بمعرفة المذيعين وحدهم مع اعفاء المذيعات كنوع من الحداد . 

أما القاتل فقد اتضح انه ضابط مزيف كان يتردد علي قهوة بالقرب من وزارة الداخلية ­ كان النقراشي رئيسا للوزارة ووزيرا الداخلية في آن واحد .

وقال رواد المقهي انهم عرفوا الضابط المزيف باسم حسني افندي وانه تلقي مكالمة تليفونية قبل الجريمة بعشرين دقيقة من شخص مجهول اخبره ان النقراشي باشا في طريقه الي مكتبة بوزارة الداخلية.. أما الاسم الحقيقي للقاتل فهو عبدالحميد احمد حسن وكان طالبا بكلية الطب البيطري وعندما سأله المحقق عن مصدر البدلة العسكرية اجاب بتهكم: في 'سوق الكانتو منها كتير '.. وقد تجمل الجاني ضرب الجماهير وهو في طريقه الي غرفة الامير الاي محمود عبدالمجيد بك مدير المباحث الجنائية وقال في هدوء وثبات.. 'أيوه قتلته واعترف بكده لانه اصدر قرارا بحل جمعية الاخوان المسلمين وهي جمعية دينية ومن يحلها يهدم الدين.. قتلته لاني أتزعم شعبة الاخوان منذ كنت تلميذا في مدرسة فؤاد الاول الثانوية .

أصدر حسن البنا عقب هذا الحدث بيانا استنكر فيه الحادث وتبرأ من الجريمة تحت عنوان "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين" كمحاولة لغسل الجماعة من العملية الإرهابية الخسيسة لتبرئة ساحة التنظيم.

وبعد الحادث بأربعة أيام وفي جريدة اخبار اليوم الصادرة صباح السبت اول يناير سنة 1949 نقرأ العنوان الرئيسي بالبنط الاسود الكبير قاتل النقراشي له شركاء مع عنوان ثانوي باللون الاحمر: ابراهيم عبدالهادي باشا سيجري الانتخابات القادمة بالاضافة إلي صورة الفقيد بجوار صاحبة العصمة السيدة الجليلة أرملته وكان النقراشي يمانع في نشر هذه الصورة عندما كان علي قيد الحياة .