2- فيلم خرج ولم يعد

دراما أعجبتنى " هو قسم جديد تتناول فيه مدونة إبداع القلم عملا دراميا ( سينمائى/ مسرحى/ تليفزيونى) لأنه عمل هادف وفى نفس الوقت متقن فى شكله وإحترافيا وفى الأغلب قد حظى بشهرة جماهيرية وأقول فى الأغلب لأنه فى بعض الأحيان قد لا يأخذ العمل الجيد حظه فى حينه ويتضح بعد فترة من الزمن ومع العرض العام - غير الهادف للربح- أنه كان عمل جيد وهادف، وإلى ثانى هذه الأعمال وهو فيلم " خرج ولم يعد"، فإلى المقال.....

2- فيلم خرج ولم يعد

2- فيلم خرج ولم يعد

من ضمن مواضيع التعبير والإنشاء التى اعتاد تلاميذ المدارس على تلقيها كى يكتبوا فيها هو " أيهما يفضل التلميذ بين سكنى المدينة أو سكنى الريف؟"، وقد كانت أدبيات وقواعد الإنشاء تحتم أن يسرد التلميذ مزايا وعيوب كل شق أى مزايا وعيوب العيش فى المدينة ومزايا وعيوب العيش فى الريف، وبهذه المقارنة يوازن التلميذ ليكون له فى النهاية الحكم عما يفضله، وقد كان الإجمال لمزايا المدينة هو توفر الخدمات ووجود أماكن التنزه واللهو بوفرة وكذا بالنسبة للشباب هو إمكانية العثور على فرص عمل متنوعة وخلافه والعيوب هى سرعة نمط الحياة والصخب والتلوث السمعى والهوائى، أما مزايا الريف فهى عدم وجود الضوضاء والهواء النقى والتمتع باللون الأخضر فى كل مكان والحصول على الخضروات والفواكه الطازجة أو اللحوم بأنواعها أو منتجات الألبان من منابعها فى حالة طازجة وجيدة وبأسعار زهيدة، وكذا راحة البال والنوم المبكر وعدم وجود مغريات لهو قد تساهم فى إفساد الشباب، أما المثالب فهى روتين الحياة المتكرر وعدم إمكانية التطور فى العمل وعدم وجود كافة الخدمات المركزية وخلافه.

وبهذه الرؤية الفلسفية كانت رائعة محمد خان " فيلم خرج ولم يعد " للمبدع يحيى الفخرانى والذى أخذنا بين العالمين ليضع فى النهاية عن طريق بطل الفيلم رؤيته بين العالمين " عالم الريف" و " عالم المدينة "، وفيلم " خرج ولم يعد " يحتل المركز 57   في قائمة أفضل 100 فيلم مصري، فإلى التحليل النقدى للفيلم....

فيلم خرج و لم يعد واحد من أجمل و أبسط الأفلام فى تاريخ السينما المصرية، وتم تصوير احداث الفيلم فى قرية تقع بين مدينة بنها و كفر شكر عام 1984، وهو من ﺇﺧﺮاﺝ محمد خان، سيناريو وحوار عاصم توفيق، بطولة النجوم: يحيى الفخراني، فريد شوقي، ليلى علوي، عايدة عبدالعزيز، توفيق الدقن، ومها عطية وغيرهم، ويحتل الفيلم المركز 57 في قائمة أفضل 100 فيلم مصري.  

قصة الفيلم:

عطية عبدالخالق (يحيى الفخراني) يعيش فى حى قديم بمنزل آيل للسقوط وقد بدأت تزحف من حوله عمارات شاهقة متلاصقة عديمة التنسيق فضلا عن صخب المدينة الذى بدأ يزداد، وقد فشل عطية في دخول الجامعة، ليتوظف بالثانوية فى أرشيف مصلحة حكومية، حالما بشغل كرسي المدير العام ولو بعد 20 عامًا ليحقق حلم أبيه الذي فشل في الوصول لهذا الكرسي قبل مماته، ولا يؤرق عطية الانتظار، فقد إعتاد عليه فهو خاطب لزينات (مها عطية) منذ 7 سنوات، ولا يجد شقة للزواج بسبب الخلو بعد أن رفضت أم زينات (احسان شريف) إقامة ابنتها فى منزله الآيل للسقوط وأمهلته 3 شهور لإيجاد شقة، وإلا فسخت الخطبة.

أخذ عطية شهرين أجازة للبحث عن شقة بعد بيع الثلاثة أفدنة التي تركهم له والده بقرية العزيزية، وقاده عوضين (توفيق الدقن) المشرف على أرضه لكمال بيه عزيز (فريد شوقي) ليشتريهم منه.

كان كمال بيه قد ورث فى شبابه 1000 فدان، ولكنه أضاعها على ملذاته ومغامراته الطائشة، حتى تبقى له 10 أفدنة يزرعها فواكه، ورفضت العائلات الكبيرة مصاهرته، فتزوج من إبنة خولي عزبته سنية (عايدة عبدالعزيز) وأنجب 6 بنات: خوخة وموزة وتفاحة وعنبة وبرقوقة ومشمشة، وهى أسماء للتدليل، ولأن كمال بيه لا يمتلك السيولة الآن للشراء فقد ماطل عطية حتى تتدبر.

عانى عطية من إسراف عائلة كمال بيه في تناول الطعام من خيرات الريف الكثيرة وأصيب بتلبك معوى استدعى غسيل معدته، ولكن طول إقامته بالريف جعله يبدأ فى الانسجام معه ونسيان اعتياده على المدينة، وأعجب بهدوء الريف وبساطة أهله، خصوصًا بعد ان انسجم مع بنات كمال بيه، وخصوصًا الكبيرة خيرية الملقبة بخوخة (ليلى علوي) وبدأ قلبه يتحرك نحوها، كما طمعت سنيه أمها في تزويجه من ابنتها خوخة، فأتاحت له الفرصة للتقرب منها.

كان عطية يحلم بدخول كلية الزراعة، فلما فشل قرأ كثيراً عن الزراعة، مما أتاح له فرصة مساعدة كمال بيه فى العناية بمحصوله من الموالح، فأتيحت له الفرصة للبقاء فترة أطول، وانسجم عطية مع الريف وهوائه وطبيعة أهله وخصوصا إنفتاح شهيته للطعام.

انهار منزل عطية وظنته زينات قد مات تحت الأنقاض، فأقامت له عزاء، إلى أن رأته أمها بطنطا، فظنتها روحه، وبحثت عنه زينات دون جدوى.

اكتشفت خوخة دبلة عطية، ولكنه أقنعها أنه موضوع قديم أصبح ماضيًا، ووافق على البقاء في الريف مفضلا حياته على حياة المدينة.

التحليل النقدى الفنى:

لا شك فى عبقرية محمد خان الإخراجية فى توضيح الروتين الحكومى وما يكتنف الوظائف الحكومية فى كثير من الهيئات من تراكم للملفات والأتربة وعدم النظام فى وضعها على الأرفف وإمكانية تلفها بسهولة من جراء الأتربة والإهمال والقوارض، وأن البطل " عطية" يعانى من هذه الحياة الرتيبة ويعتبر أن الظروف هى التى تضطره لها سواء رغبته وإحتياجه إلى الراتب أو ما هو مشهور من أن الوظيفة الحكومية هى الملاذ الآمن لأية شخص فى هذه الحياة، وقد جعله نمط الروتين الذى اعتاده لا يندهش من البطء فى التحصل على أى شئ، فهاهو يتقبل فى سريرته ودون إندهاش أنه قد يصل لمنصب رئيس قسم الأرشيف بعد 20 عاما من الخدمة أو وهو فى الخمسين من عمره ويتقبل كذلك طول فترة الخطوبة!!!، وبإختصار هو كان يحيا هذه الحياة لمجرد أن يثبت لنفسه وللناس استطاعته للتكيف معها ويحاول أن يحقق فيها كل ما هو طبيعى ومفترض عليه حتى يتم قبوله إجتماعيا أمام الناس، فسؤال الناس له عن الزواج أو عدمه أو تأخره فيه هو ما يدفعه لتلك الخطبة التى فى سريرته لا يحبها وبخاصة لما يلقاه من معاملة سيئة  من حماته المستقبلية.

ينتقل بنا محمد خان إلى أجواء الريف، ونجد بطلنا فى البداية لا يستسيغها كأى شئ غريب مغاير لما اعتاده، فهو يجد الأسرة التى اضطر للتعامل معها ( أسرة فريد شوقى) تنتهج حياة لا يعتادها، فهم يتناولون الطعام فى أى وقت وطوال اليوم وبكميات ودون تنسيق فيما بينها مما سبب له فى إحدى المرات تلبك معوى أجاد المخرج فى جعل صرخته من آلامه هو صوت سيارة الإسعاف التى قدمت حيث تم عمل غسيل معوى له فى المستشفى.

من أجمل مشاهد الفيلم

ومثلما يحدث لكثيرين، فقد تحول تدريجيا عدم الإستساغة لحياة الريف إلى حب، فإذا به خطوة خطوة يجد أنه معها يشعر براحة بال لم يجدها من قبل فى حياته بالمدينة ، وقد وجد فى عملية الإشراف الزراعى على أفدنة ( فريد شوقى)  محاولة للتشبث بحلم قديم فى أن يكون مرشدا زراعيا إذ كان هاويا للقراءة فى الموضوعات الزراعية.

لا شك أنه لعل حبه لليلى علوى ( ابنة فريد شوقى) هو ما قد أضاف لمحبته لأجواء الريف إذ يريدنا المخرج عند مشاهدتنا للفيلم أن نعقد مقارنة بين تلك الفتاة الريفية الفطرية وبين خطيبته فى المدينة وأهلها والذين لم يكن يجد منهم سوى الردود الصدامية المحتدة فى حين أنه وجد فى ليلى علوى وعائلتها التلقائية والفطرية فى التعامل والكرم .

المقصود ب( خرج ولم يعد ) هى الخروج من مناطق الطرد إلى مناطق الجذب وقد يكون ذلك فى مجال العمل أو السكن أو الوطن، فبالمثل وجدنا ذلك فى طيورنا المهاجرة إلى بلاد مثل الولايات المتحدة أو كندا أو استراليا  والتى قد وجدت ضالتها فى تلك البلاد وقد كان من هؤلاء باحثون فى العلم وجدوا حرية البحث العلمى والإمكانيات فى تلك البلاد أو وجدوا فيهاحرية سياسية افتقدوها فى الوطن الأم فهاجروا وغير ذلك...

بإختصار " خرج ولم يعد " هو صيحة للخروج من ربق كل ما هو روتينى مقلق غير آمن ينعدم فيه الجمال إلى رحابة الفضاء الجميل الحر الممتع وحينئذ فهو خروج بلا عودة.....

وإلى اللقاء مع تحليل فنى درامى آخر....