19- فتنة داوود عليه السلام

تعددت التفسيرات فى فتنة داوود عليه السلام، والتى وردت فى سورة ص فى الآيات من 21 إلى 26، فهذه الخاطرة تظهر للقارئ هذه التفسيرات وأقربها فى رأيى للمنطق الذى يليق بمقام الأنبياء ويبعد بها عن مغالطات الروايات الإسرائيلية، فإلى الخاطرة....

19- فتنة داوود عليه السلام

 فتنة داوود عليه السلام

وفى هذه الفتنة التى وردت فى سورة ص فى الآيات من 21 إلى 26 تتعدد الأقاويل والتفسيرات التى سأعرضها، والفتنة تتلخص فى أن داوود عليه السلام كان يعتاد على الدخول- لفترة كل يوم - فى محرابه للتعبد والدعاء والصلاة إلى الله، وكان حينئذ لا يريد رؤية أحد ويأمر حراسه بألا يقتحم عليه كائنا من كان هذا الإختلاء، ولكن حدث أن رأى أمامه شخصين بينهما خصومة ويريدانه للحكم والفصل بينهما وبالطبع لك أن تتخيل شخصا يختلى فى غرفته التى على بابها حرس (مأمورين بعدم إدخال أحد) فيجد من يتمكن من الدخول وحينئذ أوجس منهما خيفة حتى طمأناه وبدأ الحوار...

داوود: من أنتما؟

أحد الرجلين: لا تخف يا سيدى.. بينى وبين هذا الرجل خصومة وقد جئناك لتحكم بيننا بالحق.

داوود: ما هى القضية؟

الرجل الأول: هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة لا أملك سواها، فأستكثرها علىّ ونظر إلى بإحتقار فطلبها منى وأنا أرجو أن أضم إليها أخرى وهو لا يريد أن يعطينى فرصة لتنمية مالى، إنما يريد أن ينحينى عن المرعى ليخلو له وحده وألح علىّ فى الطلب- والإلحاح شئ يشق على النفس- فجئناك لتحكم بيننا بحكم الله تعالى لعل أخى يتركنى وشأنى فلا يحرجنى بعد ذلك بطلب نعجتى ليضمها إلى نعاجه...

داوود بغير أن يسمع رأى الطرف الآخر وحجته: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) وإن كثيرا من الشركاء ( الخلطاء) يظلم بعضهم بعضا إلا الذين آمنوا..

وفوجئ داوود بإختفاء الرجلين من أمامه، فقد إختفى الرجلان كما لو كانا سحابة تبخرت فى الجو وأدرك داوود أن الرجلين ما هما إلا ملكين أرسلهما الله إليه ليعلماه درسا فما هو هذا الدرس الذى إختلفت فيه التفسيرات؟

التفسير الأول لهذا الدرس الذى تعلمه هو أن هذين الخصمين جاءا لتنبيه داوود بالتريث فى حكمه وألا يحكم دون سماع الطرفين، وأنا أرى أن هذا التفسير غير مقنع لأن هذه لم تكن أول مرة يحكم فيها داوود عليه السلام بين الخصوم ولا شك أنه سبق أن حكم قبل ذلك وبالتأكيد لكونه نبى مؤيد من قبل الله فإنه لم يكن ليحكم إلا بالعدل أو بماهو أقرب إلى العدل، ولعله قوله (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) نوع من التعليق على زعم الرجل الأول - إن صح زعمه -  ولكنه ليس حكما وأنه لا شك كان سيتريث لسماع دعوى الخصم كعادته لأن هذه ليست أول مرة له يحكم ويفصل فيها بين الناس.

التفسير الثانى والذى أرجحه أن داوود عليه السلام كان محبا للعبادة مكثرا فيها، فلما خرج الخصمان من عنده فكر فى شأنهما وشغله أمرهما ورأى أنه كان مخطئا فى عزل نفسه فى المحراب مدة تساوى المدة التى يقضيها فى ديوان القضاء والناس فى حاجة إليه والعبادة ليست فى المحاريب فحسب، ولكنها فى العمل وتدبير شئون الملك وتعليم الناس وغير ذلك من الوظائف العامة التى يعود نفعها على الفرد والمجتمع، وهكذا فإن داوود عليه السلام - بحساسية الأنبياء المفرطة -  قدّر فى نفسه أن هذين الخصمين فى حال عدم كونهما ملكين أى لو كانا شخصين عاديين لتمكن منهما الحراس ولعلهما كانا سيصران على الدخول إليه فيدفع ذلك الحراس إلى المدافعة التى قد تؤدى إلى قتل أحدهما ويكون حينئذ قد تسبب فى قتل إنسان وعليه فقد عرف الدرس الإلهى من هذا الموقف وهو أن الأهم والأجدى هو السعى لقضاء حوائج الناس  وتخصيص وقتا كافيا لذلك لأنه قد ولى أمرهم وكل راع مسئول عن رعيته، وهكذا فقد بادر إلى الإستغفار والتوبة من ذلك الإجتهاد الذى أدى إلى هذا الخطأ ولهذا خاطبه الله تعالى بقوله بعدها (يا داوود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) أى أنت يا داوود لست كآحاد الناس الذين مباح لهم الإنشغال بأنفسهم وأهلهم فقط، ولكنك مسئول عن كل من يقيم فى مملكتك وهذه المسئولية تتطلب منك أن تفرغ أكثر الوقت لتحمل تبعاتها.

التفسير الثالث وهو من الإسرائليات الغير مقبولة فى حق نبى معصوم، وهو أن أحد قواده كانت له زوجة جميلة تمناها داوود عليه السلام لنفسه، فأرسل ذلك القائد للحروب الصعبة متمنيا وفاته فيها حتى تترمل زوجته فتصبح حرة ويتمكن من الزواج منها، وعليه فقد أرسل الله هذين الملكين للتعريض بنيته تلك(عن طريق قصة مشابهة رمزية، داوود عليه السلام يمثل فيها الخصم ذى التسع وتسعين نعجة، وقائد الجند يمثل خصمه ذى النعجة الواحدة) وهذا زعم غير لائق فى حق نبى كريم يخصص جل وقته للعبادة والوقت الباقى للراحة ولقضاء حوائج الملك والناس، وقد أكفاه الله بعدد كبير من النساء ملك يمينه، وعليه فذلك التفسير يشوبه الكثير من الخطأ وعدم اللياقة.