11- الحمار

حيوان مستأنس يساعد فى خدمة الإنسان ورد ذكره فى القرآن الكريم فى خمس مواضع أغلبها للتشبيه بمواقف، فما هو ذلك ؟ هذا ما ستعرفه من خلال المقال التالى....

11- الحمار

11- الحمار

وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴿١٩ لقمان﴾

وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ﴿٢٥٩ البقرة﴾

وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴿٨ النحل﴾

مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴿٥ الجمعة﴾

كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴿ 50 المدثر﴾

وهكذا فى خمس مواضع تم ذكر حيوان الحمار فى القرآن الكريم وهى كما يلى:

( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا  فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ  قَالَ كَمْ لَبِثْتَ  قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ  وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا  فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ) سورة البقرة

وهى قصة حمار العزير عليه السلام إذ أنه بعد محاجاة النمروذ لسيدنا إبراهيم، وظنه الضال بأن عنده القدرة على الإحياء والإماتة لمجرد قدرته - بسلطان الملك الذى يملكه - على العفو عن أحد المحكوم عليهم بالإعدام أو الأمر بإعدام أحدهم، وهذا الظن الغبى الخاطئ أراد الله أن يبطله بتوضيح فى الآية التالية وهى الآية 259 من سورة البقرة للمقصود بخاصية إحياء الموتى والتى لا يملكها أحد سوى الله سبحانه وتعالى، فكانت قصة العزير عليه السلام....

 وتتأرجح الأقاويل بين أنه نبى أو رجل صالح من بنى إسرائيل، وأنه تواجد فى الفترة بين داوود وسليمان وبين زكريا ويحيى، وقد حدث أن مر على قرية خربة واضحة التدمير فتساءل فى سريرته عن كيفية إعادة إحياء أو عمران هذه القرية الخربة ( أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها) البقرة آية 259، وقد يقول أحدهم أنه يشكك فى قدرة الله على فعل ذلك ولكنه أبدا ليس كذلك ولكنه كان كمن يستعظم قدرة الله على إعادة العمران لهذه القرية الخربة أى يعترف بها ويجلها ويتعجب منها، أى أن سؤاله بمثابة نوع من التسبيح، وعموما فقد أراد الله له شهادة قدرته على إعادة إحياء الموتى، وكذلك على إعادة العمران لهذه القرية الخربة، وكان سيدنا العزير قد أتى على هذه القرية الخربة فى وقت الظهيرة وإشتداد الحرارة وقد دخل القرية راكبا حماره ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب، فأختار مكانا مظللا وأخرج العنب من سلته وعصره ثم أخرج ما معه من خبز يابس كى ينقعه فى هذا العصير ليجعله طريا لينا، ووردت فى خاطره أثناء تناوله لطعامه الخاطرة السابق الحديث عنها، وحينئذ بعث الله ملكا فقبض روحه فأماته الله مائة عام.

وإنقضت مائة عام، حدثت فيها أحداث ثم أعاد الله إحياء العزير نفسه  الذى وجد نفسه فى ذات مكانه وأخذ ينظر حوله، وقد ظن أنه كان نائما ليوم أو بعض يوم فأرسل الله له ملكا ينبئه بأنه مات لمائة عام، فأندهش خاصة وهو يجد أن طعامه من تين وخبز وعصير عنب ظل على حاله وهو ما يستحيل إذا كان قد مر مائة عام، وشعر الملك بعدم تصديقه، فأشار عليه برؤية ما حدث لحماره فإذا به يجده وقد أصبح عبارة عن عظام نخرة ورميم بالقرب من الحبل الذى كان يربط به حماره ( المعجزة تكون فى أقوى حالتها إذا جمعت بين متناقضين فى ذات الحدث مثل النار التى كانت تحرق الطير فى السماء من مسافة بعيدة وهى ذاتها التى كانت بردا وسلاما على سيدنا إبراهيم، ومثل هذه المعجزة التى فيها يمر مائة عام يبلى فيها الحمار وبالرغم من ذلك يظل الطعام على حاله) ثم أمر الله فجعله يشهد كيفية إحياء هذا الحمار، فشاهد العزير العظام وهى تتراكب مع بعضها البعض، وشاهد اللحم وهو يكسوها والأعصاب والعروق وهى تتداخل فى هذا اللحم، ثم شاهد الجلد وهو يغطى الحمار فالشعر، ثم نفخ الملك فى هذا الحمار فقام رافعا رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقا يظن القيامة قد قامت ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فأنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وأنظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وأنظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير) البقرة آية 259 وعندما شهد العزير هذه المعجزة إزداد إيمانا ويقينا بقدرة الله عز وجل.......

 بعد ذلك قام العزير عليه السلام، وركب حماره، وأراد أن يرجع لقريته التى بها بيته وأثناء رحلته لقريته شاهد العمران حوله والأشجار والزروع فى نفس الأماكن التى كانت خربة، وذهب إلى الموضع الذى كان به بيته فرأى إمرأة عجوز عمرها يزيد عن مائة وعشرين عام وكانت عمياء وكانت جالسة على عتبة البيت الحالى، فسلم عليها وسألها ( أين بيت العزير؟) فردت (ولم تسأل يا رجل؟) وعندما أنبأها بأنه هو نفسه العزير تهكمت منه لأنها كانت جاريته وتعلم أنه إختفى منذ مائة عام - وهى ماتزال فى العشرين من عمرها- ولا أحد يعرف عنه شئ، وحتى تتأكد منه فقد كانت تعرف أن عزير عنده القدرة على شفاء الأعمى بإذن الله فسألته إن كان هو أن يرد لها بصرها، فدعا الله فعاد إليها بصرها، وعندما رأته وتأكدت أنه هو، ذهبت به إلى القوم لتخبرهم بأمره وأنه عاد إليهم، وكان فى القوم إبنا للعزير عنده أكثر من مائة عام وكان مايزال رضيعا عندما إختفى أبيه، ولم يصدق الناس المرأة أو العزير وحتى يتأكدوا طلبوا منه إحضار وإعادة التوراة  ( كان العزير قد خبأ التوراة فى حفرة تحت الأرض عندما أتى الأعداء لتدمير بلادهم ) وعندما ذهبوا للمكان الذى قال أنه خبأ فيه التوراة وجدوا أنه قد أكلته ديدان الأرض، فحينئذ ألقى الله على قلبه التوراة فأخذ يلقى عليهم وهم يكتبون فلما كتبوا التوراة، آمنوا به وعلموا أنه العزير ولكنهم للأسف بالغوا فى التقديس  له حتى كفروا بالله وقالوا أن العزير هو إبن لله جلا وعلا ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواهم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون) التوبة آية 30

السؤال هو لم قالت اليهود أن عزيرا هو ابن الله ؟

قول بنى إسرائيل: لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة إلا فى كتاب، وأن عزيرا قد جاءنا بها من غير كتاب!!!

  والموضع الثانى هو قوله تعالى : ( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً  وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) سورة النحل أى خلق الله لكم الخيل والبغال والحمير لكي تركبوها، وتحملوا عليها أمتعتكم، ولتكون جَمالًا لكم تتجملون به في الناس، ويخلق ما لا تعلمون مما أراد خلقه....

والموضع الثالث هى قوله تعالى: ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ  إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) سورة لقمان والتى تفسيرها هو النصح بالخلق القويم وهو أن يتوسط الإنسان  في مشيته بين الإسراع والدَّبِيب فى مشى يظهر الوقار، كذلك خفض الصوت، بعدم رفعه رفعًا يؤذى الآخرين، لأن أقبح الأصوات  هو صوت الحمير التى يرتفع صوتها فى أثناء النهيق فجائيا، وعليه فهذه الآية من سورة لقمان بمثابة التوجيه التربوى لأية إنسان من أية ديانة ....

والموضع الرابع هى قوله تعالى فى سورة الجمعة : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا  بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ  وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وهو تشبيه لحالة الإفلاس وعدم الإستفادة الفعلية بشئ إذ فى هذه الآية تم تشبيه اليهود الذين كُلِّفوا القيام بما في التوراة فتركوا ما كُلِّفوا به، كمثل الحمار يحمل الكتب الكبيرة، لا يدري ما حُمِل عليه: أهو كتبٌ أم غيرها؟ قبح مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، والله لا يوفق القوم الظالمين لإصابة الحق، وفى واقعنا الحالى نجد علماء سوء أو تابعين للحكام يقومون بتأويل أحكام الله وفق الأهواء التى ترضى الحكام فلم ينتفعوا بما تعلموا بشئ....

والموضع الخامس  هو قوله تعالى فى سورة المدثر: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ) أى تشبيه آخر لسلوك المشركين الكافرين إذ يتساءل رب العزة : فما لهؤلاء المشركين عن القرآن وما فيه من المواعظ منصرفين؟ كأنهم حمر وحشية شديدة النِّفار (أى الهروب)، فرَّت من أسد كاسر يطاردها ( قسورة)....

معلومات عن الحمار:

الحمار هو حيوان من جنس الحصان، وهو حيوان أليف، ويوجد نوع يعيش بصورة برية في وديان وصحاري أفريقيا وآسيا وبراريها ويسمى بالحمار الوحشي. الحمار من الفصيلة الخيلية، رتبة فردية الحافر، من شعيبة الثديات، من شعبة الحبليات التابعة للمملكة الحيوانية من الكائنات الحية. هو الرفيق الدائم للإنسان، حامل المشقة، والمستأنس منه مع تنوع عائلته، ويسمى صغير الحمار جحش.

تحمل الإناث مدة 11 شهرا، وهي في انسجام وجاهزة للتزاوج كل شهر، طوال السنة، وغالبا ما يكون جحشا واحدا، 1.7% فقط من الحمولات تعطي توأما، ويعيشان في 14% من الحالات، لكنها أكثر من غيرها عند الحصان بمقدار 10 أضعاف.

تزاوج الحمير بينها يعطي حميرا، مختلف أصنافها، أما تزاوج الحمار الذكر مع أنثى الحصان، الفرس، فيعطينا بغلا، والبغل، صفة للذكر والأنثى منها، عقيم لا يلد.

أستعملت الحمير أيضا في الحروب، لنقل معدات أو فى حالات قليلة كحيوانات للركوب، وقد خلّد استعماله عندها في تمثال لجون كيركـباتريك سيمسون مع حماره الذي أنقذ به العديد في الحرب العالمية الأولى.

الحمار فى الأمثال والحكم:

 يعتبر الحمار جزءًا مهمًا من الأمثال والحكم الشعبية، فكثير من الأمثال تحدثت عن الحمار ومنها كما ورد فى الأمثال المصرية، "الشاطرة تغزل برجل حمار"، و"اربط الحمار مطرح ما صحبه عايز".

كما جاء فى الأمثال الروسية، "الخوف يجعل الحمار أسرع من الحصان"، ومن الأمثال الإيطالية، "أمير جاهل حمار متوج"، ومن الأمثال الرومانية، "ماذا يعرف الحمار عن غناء العندليب؟"، وقال الكاتب يوسف زيدان عن الحمار، " الحمار لا يمكن بحال أن يكون غبيًا، هو صبور بطبعه.. وقد يبدو الصبر غباء أحيانًا، و جبنًا أحيانًا أخرى".

الحمار فى القصص والحكايات التراثية:

الحمار أيضًا له دور فى القصص والحكايات التراثية.. فجميع الأطفال استمعوا لقصص حجا وحماره.. الأشهر عبر التاريخ، حيث شكّلت طريقة تفكير معظم الأطفال.. وكان حمار جحا بطلها المضحك والظريف.

فحمار جحا هو أشهر حمار فى التراث العربى، ومن خلال الحمار استطاع جحا أن يعبر عن الكثير من جوانب الفلسفة والحكمة عن طريق نوادره العديدة، وهناك الكثير من القصص التى تعطى للحمار الميزة فى أن يتفوق على العلماء لمجرد أنه لا يدرى من الأمر شيئًا، وأن تصرفاته العشوائية التى لا تعتمد على علم أو ذكاء هى التى تحكم الأمور، فكانت فى كل نادرة رسالة ولكل حكاية هدف كان بطلها الحمار…..