10-التوت والنبوت ( حلقة 10 والأخيرة)

" ملحمة الحرافيش " هى إحدى الرويات العظيمة للكاتب العالمى الحائز على نوبل " نجيب محفوظ" والتى أتشرف بعرض ملخص دقيق لها غير مخل بأحداثها الكثيرة فى مدونة " إبداع القلم"، وهى بحق رواية ممتعة خصبة ودسمة بالأحداث والتى تعكس ذلك الصراع الأبدى بين الخير والشر وقد كان من نهج نجيب محفوظ الترميز فى أعماله القصصية فجعل من الحارة المصرية رمزا للوطن وأبناء الحارة هم الجمهور والفتوات هم رمز للسلطة وفى هذه الرواية أظهر تباينا بين سلوك من تولوا السلطة أو الفتونة فى هذه الحارة منذ ظهور عاشور الناجى مرورا بأحفاده الذين تباينوا بين الخير والشر وبين حب أهل الحارة وبين التجبر عليهم، وسأعرض للملخص فى حلقات كثيرة آملا فى المتابعة المستمرة لكل ما هو شيق تقدمه المدونة خدمة للقارئ العربى فى زمن عز فيه الكتاب وغلا ثمنه وشحت فيه الأوقات المتاحة للقراءة، فإلى سلسلة ملحمة الحرافيش والحلقة العاشرة والأخيرة من ملحمة الحرافيش بعنوان " التوت والنبوت "، ولا تنس فى الختام تحميل رواية الحرافيش المرفقة.....

10-التوت والنبوت ( حلقة 10 والأخيرة)

10-التوت والنبوت ( حلقة 10 والأخيرة) 

الحلقة السابقة بعنوان " سارق النعمة " اضغط من هنا

لم يتبق من صفوة ذرية الناجى إلا بنات فردوس أرملة سماحة وإبنهما ربيع سماحة الناجى ولكن الأيام أحالتهم من أغنياء إلى فقراء لا يتميزون بشئ عن عامة أهل الحارة فها هو ربيع يعمل فى محل البنان ويعيش حياة متواضعة بائسة وعندما أراد الزواج رفضته عديد من الأسر فهو بالنسبة لهم فقير كما أنه من نسل شخصيات لا تحظى بأى إحترام وعلى الأخص سماحة أبيه ولذلك فقد ظل على حاله من عدم الزواج حتى توفيت والدته فردوس وكان حينئذ قد جاوز الخمسين من عمره وتبعا لذلك إضطر إلى المعيشة وحده فى شقة صغيرة تتكون من حجرتين وهو لم يكن راضيا عن حياته تلك ووجد ضرورة للزواج وإرتضى بالزواج من حليمة البركة الأرملة ذات الثلاثين عام والتى تنحدر من سلالة الناجى وكان ربيع حينئذ فى الثالثة والخمسين من عمره وبمرور الوقت وبالمعاشرة إكتشف أن زوجته حليمة إمرأة طيبة حازمة ورعة وأنجب منها ثلاثة هم فائز وضياء وعاشور وتوفى ربيع وأبناؤه فائز فى العاشرة وضياء فى الثامنة أما عاشور ففى السادسة وقد توفى دون أن يرثوا عنه مليما واحدا.....

وإشتغلت حليمة فى بيع المخلل والمفتقة والخدمة كبلانة ودلالة وذلك حتى تتمكن من تربية أبناءها وأدخلتهم الكتاب فى الفترة اللازمة لتعليمهم وعند السن المناسبة أطلقتهم للحياة وللعمل فإشتغل فائز سواق كارو أما ضياء فقد عمل شيالا فى محل للنحاس أما عاشور فقد إمتهن رعى الغنم إذ كان صبيا لغنام يدعى أمين الراعى....

كان فائز بحكم سنه هو أول من واجه صعوبات الحياة وسط أخوته وجعله ذلك ناقما ساخطا يتمنى تغيير حياته البائسة تلك بأية وسيلة وكثيرا ما كانت أمه تلح عليه للزواج عسى أن يكون فى زواجه تهذيبا لأخلاقه وكبحا لطموحه المفرط ولكنه كان يرفض الزواج وفى ذات يوم تأخر عن ميعاد عودته وأقلق هذا الجميع كما أقلق أيضا المعلم موسى الأعور صاحب الكارو التى يعمل عليها فائز والذى أفصح لحليمة وإبنيها عن خشيته من أن يكون فائز قد سرق الحمار والكارو ثم فر هاربا وعندما طالت الغيبة إضطرت أسرة فائز إلى تقسيط ثمن العربة والحمار وسداده إلى موسى الأعور....

فى هذه الأثناء أصبح للحارة فتوة هو أبشع وأسوأ فتواتها على مدار تاريخها وهو حسونة السبع والذى لم يكن يتورع عن إتخاذ كثير من أبناء الحارة كعمال سخرة سواء له أو لرجاله وكذا فقد إبتدع فكرة وهى أن يستأثر هو ورجاله بأحد الأزقة فلا يقيم فيه أحد غيرهم وذلك مخافة وقوع مؤامرة كتلك التى دبرت للفتوات أيام فتح الباب وحسونة السبع نفسه قام بتشييد داره فى نهاية ذلك الزقاق....

وذات يوم تأخرت حليمة فى الذهاب للعمل لدى حسونة فقام بصفعها وإهانتها وعندما علم إبناها    (ضياء وعاشور) تجرعا تلك الإهانة وهما فى نفس الوقت يحترقان شوقا لردها ولكن يصدهما عن ذلك الخوف من بطشه أو بطش رجاله كما أن حليمة نفسها قد حذرتهما من الإتيان بأى عمل أحمق متهور....

وبمرور الأيام كان عاشور ينمو نموا فذا كشجرة توت وأصبح بهيكله المتمادى فى العملقة وملامحه الغليظة يذكر بما قيل فى وصف جده عاشور وقد كانت أمه كثيرا ما تنصحه بألا يغتر أبدا بقوته تلك فيندفع لمواجهة الفتوة حسونة السبع مما قد يوقعه فى الهلاك....

وبعد غيبة عاد فائز وعلى سيماه معالم الثراء والأبهة وبمجرد عودته قدم فروض الطاعة والتذلل والولاء للمعلم حسونة السبع ولم يبالى بتعويض موسى الأعور بثمن الكارو لمرة أخرى ( إذ قامت أسرته بسداد ثمنها مقسطا من قبل) وبرر غيابه المفاجئ بأن عربة الكارو سرقت منه ولأنه خشى مغبة العودة دونها فقد آثر الهروب أما عن ثراؤه الحالى فقد برره بأنه ثمرة عمله وكفاحه وحظه السعيد أيضا وفرحت أسرته بعودته وقص تفصيليا لعائلته قصة ثراؤه وهو أنه بمجرد سرقة الكارو هام على وجهه حتى يسر الله له ظهور خواجة طيب رحيم قام بإنتشاله وألحقه بالعمل عنده كسواق وخادم وكان يحميه من تحرش بعض أراذل الناس وعلى يدىّ ذلك الخواجة تعلم أشياء عديدة ثم وافاه الحظ إذ يربح ورقة ياناصيب فيقرر العمل لوحده ويصادفه النجاح بصورة غير متوقعة!!!! وتصدقه عائلته إذ أسكرتهم أبهته وإعتبروه بمثابة المنقذ الذى سينتشلهم من وحل الفقر...

حدث أنه قبيل عودة فائز أن رغبت حليمة- وقت الفقر- فى تزويج إبنيها ضياء وعاشور من الشقيقتين فتحية وشكرية إبنتىّ محمد العجل العلاف بحظيرة المعلم موسى الأعور ولم يكن أحد منهما قد رأى فتاته ولكنهما كان يغليان بوقدة الشباب ويتوثب خيالهما الجامح لمعانقة أية أنثى وهكذا فقد تمت قراءة الفاتحة....

بعد الحال الجديدة وذلك الثراء الذى نعمت به العائلة- نتيجة عودة فائز الذى إشترى لهم دارا فاخرة كما جعل شقيقيه مديرين لوكالة الفحم التى إشتراها أما فائز نفسه فقد كان كثير الترحال لا يستقر كثيرا مع أمه أو شقيقيه ولم يعلموا أى شئ عن عمله أو نشاطه بعيدا عنهم ولكنهم كانوا فى حالة عظيمة من البهجة- أخذ ضياء وعاشور يلومان والدتهما لتسرعها بخطبة فتحية وشكرية لهما إذ أنهما الآن من الأعيان فأما عاشور فبالرغم من غيظه الداخلى إلا أنه لم يكن لينقض فاتحة قد قرأها أما ضياء فلم يبالى بفسخ الخطبة مما أثار سخط كثيرين إعتبروه وغدا نذلا وغطت نذالته على شهامة عاشور الثابت على خطبته وللغرابة فقد قام حسونة السبع بتعنيف عاشور بالرغم من أن الذنب ذنب أخيه وقام بوصفهم جميعا بالنذالة وعدم الوفاء لأصلهم المتواضع وأبلغه أن محمد العجل يرفض هو الآخر عاشور زوجا لأبنته وحينها فرح عاشور لأن الفسخ جاء من ناحيتهم ولسان حاله يقول ( بركة يا جامع)....

سعدت الأسرة بهذا النعيم ورأوا فى أخيهم فائز معجزة وكان عاشور لا يكف عن إعطاء الفقراء والحرافيش وقام بتجديد الزاوية والسبيل للدرجة التى جعلت أمه تنصحه بأن يترك لها مهمة الإحسان للفقراء حتى لا يكون فى عطفه البالغ عليهم ما يستثير حقد حسونة السبع أما ضياء فقد كان أقل كرما من أخيه ولم يكن الثراء بالنسبة له سوى طريقا لحياة ملؤها المجون والعربدة...

أعجب الشقيقان ضياء وعاشور بفتاتين من أعرق الأسر فخطب ضياء سلمى الخشاب كريمة صاحب وكالة الخشب، كما خطب عاشور عزيزة العطار كريمة أكبر عطار فى الحارة....

وفى أحد الأيام جاءهم فائز وهو متغير الحال كئيبا متجهما على غير عادته وعندما سألوه عن سر عبوسه أجابهم بأنه يمر بوعكة صحية وصعد إلى غرفته ثم ما هى إلا سويعات ويجدونه قد طعن نفسه بخنجر ليموت منتحرا...

ذهل الجميع إذ لم يجدوا لذلك سببا ولكن الحقيقة ما لبثت أن تكشفت عقب حضور الشرطة ولكن يالها من حقيقة مرة ومؤلمة....

إتضح فى نهاية الأمر أنهم الآن لا يملكون الدار أو وكالة الفحم وأن أخيهما فائز قد باعهما بيعا صوريا قبيل إنتحاره ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد ولكن الجانب المخزى فى حياة فائز كان هو الأكثر إيلاما إذ عرفوا الآن أنه بدأ حياته الإجرامية بسرقة الكارو وأنه إستثمر مال السرقة فى موبقات الدعارة والقمار والمخدرات وأنه كان يقامر بثروات خيالية وقد كان فى حالة الخسران يستدرج غريمه الفائز (مستعينا فى ذلك بالنساء والمخدرات) كى يقتله ويستولى على نقوده ثم يوارى جثته فى ثرى فناء داره ولكن آخر مقامرة له شهدت إختلالا فى خططه التى إعتادها إذ منى بخسارة أمواله بأكملها ليضطر إلى المقامرة بأملاكه فى شكل بيع صورى لها ولكنه خسرها أيضا وهذه المرة لم يتمكن من قتل غريمه الذى نجح فى الفرار بروحه وماله، ولأنه خسر كل شئ بل وأصبح سره مهددا بالإفتضاح فقد إنتحر، ولقد تلقى رجال الأمن رسالة من مجهول- قد يكون شريكا سابقا له- دلتهم على سر الجرائم ومدافن الضحايا وهكذا تمت إماطة اللثام عن سر فائز المفزع....

وبسبب تلك الفضيحة، كان يكللهم الخزى والعار وبخاصة لأنهم عادوا فقراء كما كانوا، وقد نتج عن هذه الفضيحة أن تحركت الألسن والقلوب المليئة بالحقد والغل كحسونة السبع ومحمد العجل وغيرهم وإضطروا تبعا لذلك إلى مغادرة هذه الحارة فذهبوا إلى المدافن وأقاموا فى حجرة الرحمة بمدفن شمس الدين مفلسين تماما ومحطمين الفؤاد....

طلب منهم ضياء مغادرة هذه البلاد بأكملها فهم لن يستطيعوا أبدا مواجهة الناس أو العمل لديهم ولكن عاشور رفض ذلك معلنا أنه سيسرح بفاكهة فى أطراف الحى البعيدة ولكن ضياء تشبث برأيه وصمم على الرحيل أما حليمة فقد آثرت البقاء مع عاشور...

أخذ عاشور يسرح بالفاكهة ولكن كان يحلو له التسلل فى الليل إلى ساحة التكية وهو يفكر ويتأمل متساءلا فى سريرته (حتى متى تشقى حارتنا وتمتهن؟ لم ينعم المجرمون والأنانيون؟ ولم يقاسى الطيبون والمحبون؟ ولم يغط الحرافيش فى النوم؟)....

فى أحد الأيام تلكأ طويلا فى سوق الدراسة حيث يتصعلك كثير من حرافيش حارته القديمة وفى البداية سخروا منه ولكنهم بمرور الوقت أصبحوا يألفونه وصافحوه وبدأوا يقتنعون أن عاشور ليس كفائز وأنه أفضل منه كثيرا وأنه من منبع طيب وبدأت علاقته تتوثق بهم وحينئذ تجمعت قواه الحيوية وذات يوم تحاور معهم وصارحهم بخواطره....

أتاهم ضياء يوما بعد غيبة تبدو على محياه الأبهة والنعيم وذكرتهم هيئته تلك بأخيهم فائز وهكذا إرتاب عاشور وإرتابت حليمة ولكنه أدرك ما يدور فى خلدهم فنفى ظنونهم وعلل سبب ثراؤه بأنه عندما خرج من عندهم فقيرا فقد شاءت له المقادير العمل كخادم فى فندق ثم ترقى ككاتب فيه لمعرفته القراءة والكتابة ثم لم يلبث وأن تزوج من إبنة صاحب الفندق بعد وفاته ليصبح مديرا للفندق وصاحبه الفعلى...

عرض عليهم إنتشالهم من هذا الفقر إلا أن عاشور (الذى ظل على إرتيابه فيه) رفض رفضا قاطعا معللا ذلك بأن مصدر ثراؤه هو مال زوجته وطاوعت الأم -على كره منها- إبنها عاشور....

وحقا لقد جاء ضياء فى وقت غير مناسب إذ كان عاشور يتوثب بعد عناء طويل للحظة الحاسمة.....

ذات يوم عاد عاشور إلى حارته القديمة وقد إندهش الجميع لمقدمه ورأى حسونة السبع فى مجئ عاشور دون سابق إذن منه ودون إعتذار مسبق ما يعتبر تحديا له وهذا ما بالضبط ما كان يريده عاشور وحينئذ بدأت معركة بين عاشور وحسونة لم تلبث أن تطورت إلى معركة بين الحرافيش مجتمعين ورجال عصابة حسونة وقد تدفق الحرافيش من كل حدب وصوب ليجتاحوا رجال حسونة السبع الذين تحولوا من الهجوم إلى الدفاع وإنتصر الحرافيش بزعامة عاشور على السبع ورجاله....

ها هى الفتونة تعود إلى آل الناجى وإلى عملاق خطير تشكل عصابته لأول مرة أكثرية أهل الحارة ولم تقع الفوضى المتوقعة إذ إلتف الحرافيش حول فتوتهم فى تفان وإمتثال، وإنتصب بينهم مثل البناء الشامخ توحى نظرة عينيه بالبناء وليس الهدم أوالتخريب وإتضحت سياسة عاشور فهو يساوى فى المعاملة بين الوجهاء والحرافيش ويفرض على الأعيان إتاوات ثقيلة مما جعلهم يضيقون ويهجرون الحارة إلى أحياء بعيدة لا تعرف فتوة أو فتونة وألزم عاشور على الحرافيش أمرين أولهما أن يدربوا أبناءهم على الفتونة حتى لا تهن قوتهم فيتسلط عليهم وغد أو مغامر وثانيهما أن يتعيش كل منهم من حرفة أو عمل ما سيقيمه لهم مما يتحصل عليه من إتاوات وكقدوة لهم إبتدأ بنفسه فعمل فى بيع الفاكهة وأقام فى شقة صغيرة مع أمه وهكذا بعث عهد الفتوة البالغ أقصى درجات القوة وأنقى درجات النقاء...

جدد عاشور الزاوية والسبيل والحوض والكتاب، وأنشأ كتابا ليتسع لأبناء الحرافيش ثم أقدم على ما لم يقدم عليه أحد من قبل إذ أتفق مع مقاول على هدم مئذنة جلال....

لم يبدأ أبدا بتحدى أحد من فتوات الحارات ولكنه كان يؤدب من يتحداه منهم ويجعله عظة للآخرين وحينئذ تهيأت له السيادة بلا معارك....

حاولت أمه أن تجعله يفكر فى نفسه فيعيش حياة أكثر رفاهية وأكثر نعيما من حياته تلك ولكنه رفض فى تصميم لأنه يريد أن يتفوق على جده نفسه فهو يرى جده قد إعتمد على نفسه ولكنه هو يرى أنه نجح فى أن يخلق من الحرافيش قوة لا تقهر....

وها هو عاشور الحفيد ينتصر على نزعات نفسه فيتزوج من مجرد فتاة فقيرة وهى بهية بنت عدلات الماشطة ولا يأبه بعروض أمه للزواج من بنات الأعيان فهو لا يريد لمغريات الحياة أن تجرفه للمنحى الذى يودى بالفتونة إلى هوة سحيقة....

وحلم فى ليلة بأنه يرى درويشا يميل نحوه ويهمس:

إستعدوا بالمزامير والطبول، غدا سيخرج الشيخ من خلوته، ويشق الحارة بنوره، وسيهب كل فتى نبوتا من الخيرزان وثمرة من التوت، إستعدوا بالمزامير والطبول...

حينئذ إنتفض ناهضا ثملا بالإلهام والقدرة فقال له قلبه:

لا تجزع إنها تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة.....

      تمت بحمد الله

لا تنس تحميل رواية الحرافيش للمبدع نجيب محفوظ كمرفق ولا تنسونى بالدعاء والمتابعة المستمرة للمدونة التى تسعى دائما لإسعادكم بكل جديد ومفيد.....

                 

    

  

 

الملقات