1- فيلم العار

" دراما أعجبتنى " هو قسم جديد تتناول فيه مدونة إبداع القلم عملا دراميا ( سينمائى/ مسرحى/ تليفزيونى) لأنه عمل هادف وفى نفس الوقت متقن فى شكله وإحترافيا وفى الأغلب قد حظى بشهرة جماهيرية وأقول فى الأغلب لأنه فى بعض الأحيان قد لا يأخذ العمل الجيد حظه فى حينه ويتضح بعد فترة من الزمن ومع العرض العام - غير الهادف للربح- أنه كان عمل جيد وهادف، وإلى أول هذه الأعمال وهو فيلم " العار"، فإلى المقال.....

1- فيلم العار

1- فيلم العار

فيلم العار هو من إنتاج 1982 حيث تم عرضه فى دور السينما فى 11 أكتوبر 1982 وهو من إخراج المخرج " على عبد الخالق " عن قصة للكاتب الكبير " محمود أبو زيد " وهى إحدى ثلاثيته الشهيرة من أفلام ( العار/ الكيف/ جرى الوحوش) والتى تتناول الأخلاق وإزدواج المعايير  وذلك فى قوالب درامية لا تخلو من الكوميديا، وفيلم العار هو من بطولة كوكبة قلما تجتمع فى عمل فنى واحد وهم : نور الشريف/ حسين فهمى/ محمود عبد العزيز/ نورا/ إلهام شاهين/ عبد البديع العربى/ أمينة رزق

تدور القصة حول الحاج عبد التواب ( عبد البديع العربى) فهو صاحب محل كبير للعطارة وأولاده على ترتيب إنجابهم هم نور الشريف وهو الأبن الأكبر وساعد أبيه الأيمن الذى ترك الدراسة وعمل مع والده فى تجارته لمدة 20 عاما أما الأبن الثانى فهو ( حسين فهمى) الذى يعمل فى وظيفة مرموقة كوكيل نيابة أما الثالث ( محمود عبد العزيز ) فهو طبيب نفسى وصاحب مستشفى واما الأخيرة ( إلهام شاهين) فهى طالبة جامعية على وشك التخرج ومكتوب كتابها على ضابط شرطة...

الأسرة جميعها تعيش فى وئام وفى حالة من اليسر وسعة الرزق، وكانت والدتهم ( أمينة رزق) بوجهها الملائكى وكذلك الوالد ( عبد البديع العربى) بتقواه يؤكدون على عائلة وقورة تحترم الأصول والعادات والتقاليد، وكان جميع الأبناء يظنون أن تجارة والدهم فى العطارة هى السبب فى ذلك النعيم...

يأخذنا الفيلم تدريجيا لإكتشاف أن الوالد يتخذ من محل العطارة ستارا لتجارة المخدرات ( الحشيش) وتكون المفارقة هى إظهاره بالذى يكره بالفعل ويحرم الخمور وحتى أنواع المخدرات الأخرى ولكنه يرى أن الحشيش ليس حراما لأنه عطارة ونتاج نباتات !!! أما الخمور وغير ذلك فهى حرام لأنها من صنع الإنسان!!! ومفارقة أخرى نجدها فى ذلك الأب الذى لا يريد أخذ فوائد من البنوك هى حق له ويتنازل عنها بحجة أنها ربا لا يريده أن يختلط  برزقه ولكنه هو نفسه لا يرى بأسا من الإنتفاع بأموال الحشيش...

هو رجل محافظ على الصلاة ويؤدى زكاته ويتصدق بالرغممن كل ما سبق، والوحيد من عائلته الذى يعرف سر تجارته وأنها لا تقتصر على محل العطارة هو ابنه ( نور الشريف) أما بقية الأبناء أو حتى زوجته فلا يعرفون شيئا....

ابنه الأكبر ( نور الشريف ) متزوج سرا من ( نورا) وهى فتاة بلدى ولعلمه بأنها لن تكون مقبولة من أسرته فلم يقل لأهله عن ذلك الزواج.

تبين لنا الأحداث شخصيات الأخوة النفسية، فالأبن الأكبر كان فى داخله كاره لمحدودية تعليمه بالمقارنة بأخوته ولكنه فى نفس الوقت يظن أن عوضه فى ذلك  كونه الذراع الأيمن لأبيه والمتحكم فى أسراره وأمواله، أما وكيل النيابة فهو متعجرف وينظر للجميع من أعلى، أما الطبيب النفسى فهو متزن ومتسامح...

سحب الحاج عبد التواب ( عبد البديع العربى) امواله من البنوك وباع العزبة وعمارة الاسكندرية وجمع ٧٥٠ ألف جنيه، وقدم على قرض من البنك بمبلغ ٢٥٠ ألف جنيه ليكمل مبلغ المليون لشراء صفقة مخدرات، ويسافر للأسكندرية مع رجاله طلبه وابو دقشوم والدفاس ليقابل فؤاد بيه(صلاح نظمى)الوسيط فى الصفقة، وسلمه مبلغ ٧٥٠ ألف مع وعد بإستكمال باقى المبلغ، وأثناء العودة اصطدموا بسيارة لورى ولقوا جميعا مصرعهم، وفى اليوم التالى يطالب الوسيط بباقى المبلغ، فيسرع كمال (نور الشريف) بسحب مبلغ القرض بموجب التوكيل الذى معه من والده ويسلمه للوسيط، ولكن شكرى ( حسين فهمى) رئيس النيابة يكتشف سحب المبلغ بعد وفاة صاحبه، فيطالب أخيه الأكبر بتفسير، فلما لم يجد تفسيرا، اتهمه بالسرقة، وضغط عليه مهددا بسجنه فإضطر كمال ( نور الشريف) لكشف سر أبيه، مبينا انه كان تاجرا للمخدرات، ويقوم شكرى ( حسين فهمى) بنقل السر الى باقى الاسرة، وكانت صدمة للجميع الذين كانوا يرون الاب مثالا للتقوى والورع، فقررت الام بيع منزلهم الكبير لتسديد جزء من دين البنك، والعودة لمنزل المغربلين، وقررت ليلى ( إلهام شاهين) عدم غش زوجها مجدى ( ضابط الشرطة) فطلبت الطلاق وعادت مع امها لمنزل المغربلين لتدير محل العطارة مع الريس بندارى (حافظ امين)...

أخذ كمال (نور الشريف) يبحث عن رجال كى يساعدونه على سحب شحنة المخدرات من البحر بدلا من طلبة وأبو دشوم والدفاس ( رجال أبيه)، لكن المعلم هوبرى(محيى الدين عبدالمحسن) اخبره ان الرجال يأخذون نصف الشحنة أجرا، فرفض كمال وعرض المساعدة على اخويه ( وكيل النيابة والطبيب)، فرفضا التفريط بشرفهم ومبادئهم وأخلاقهم وإنسانيتهم وضميرهم، ولكن أمام شبح الفقر، تضاءلت كل الشعارات، واستقال شكرى من النيابة، ووافق مرغما على انتشال الشحنة من البحر، لكن عند التنفيذ أصيب بحالة عصبية، ونزلت ( نورا/ زوجة نور الشريف) بدلا منه لكنها غرقت عند خروجها، و بسبب ذلك يتشاجر كمال مع شكرى ويقرر منح نصيب شكرى الى روح نورا، وتم تصبير ( أى تخزين بضاعة المخدرات) بالملاحات، وعند استعادتها بعد فترة كان الماء المالح قد ثقب الصفائح واذاب البضاعة، واصيب عادل بلوثة عقلية، واطلق شكرى النار على رأسه، وأخذ كمال يصرخ ناعيا حظه العاثر.

الفيلم يقدم لنا عدة عبر فى إزدواجية المعايير أولها هو ذلك الأب الذى يؤمن ببعض الدين ويتغافل عن عمد أو عن سذاجة أمور أهم وأعمق فى الدين مثل كيف لا يعتبر الحشيش مثل الخمر وكلاهما مسكر ويتسبب فى غياب العقل وتلفه؟!! وهل أموال المخدرات أكثر نقاءا من أموال البنوك مهما كانت ربوية من منظوره؟  وللأسف إزدواجية معايير الأخلاقيات تجدها عند كثيرين فهذا قد يهتم جدا بأداء الصلوات فى ميعادها ولكنه هو نفسه لا يبالى بنهب إرث أخته أو أخيه أو نهب أموال أو أرض ملك آخر وتجده يسأل عن جزئيات صغيرة فى الدين مثل سنن الوضوء أو سجود سهو الصلاة فى نفس الوقت الذى لا يبالى فيه بأنه لا يخدم المواطنين الذين يطلبون خدمته فى مصلحة حكومية مثلا أو يعاملهم بعجرفة وغير ذلك، وثانى إزدواج للمعايير فهو ما حدث لهؤلاء الأبناء فقد كفل الله لهم وظائف مرموقة يمكن أن تكون نواة لبناء مستقبل جيد حتى دون الحاجة لإرثهم من أبيهم، ولكن لأنهم اعتادوا رفاهية شديدة فاعتبروا أن إستمراريتها لن تتأتى بالإتكال على الوظيفة الحكومية وحدها، وحينها ارتأوا أن المال وإن كان حراما ونتاج مخدرات فهو أفضل من فقر مظنون حتى وإن كان فى ظل حلالا يرضاه الرب، وهو سلوك نجده فى كثيرين فهذا مثلا يعلم أن أبوه قد يكون مرتشيا من وظيفته طالما عنده فى سنوات قلائل تلك الأموال والشاليهات والفلل ولكنه يغض الطرف عن ذلك لأنه ينعم بملذات يعلم أنه لن يستطيع تحقيقها بمسلك آخر ولا تكون مصمصة الشفاه ووصم الأب بجلب العار إلا مع ضبطه!!! ، وكذا هذا الأبن للراقصة الشهيرة الذى يقول لوالدته " هزى كويس على المسرح " وقد انسلخ بمقولته تلك عن الفطرة السوية، ولكنه انسلخ عنها لمعرفة يقينية فى داخله بأنه لولا الأموال الطائلة التى تنهال على والدته من رقصها عارية ما كان لينعم هو بتعليم راقى فى أمريكا ويجد كل هذه النعم يرفل فيها، وهذه الأزدواجية لا ينجو منها إلا الراسخ على مبادئه كالطود.

إشارة إضافية، قد تناولها الفيلم وإن كان فى سياق غير محسوس إذ أن شخصيات (طلبة وابو دقشوم والدفاس) بالرغم من أنها هامشية ولعل تم ذكرها كأسماء فقط فى الفيلم إلا أنها هى من أوصلت الأبناء لهذه الحالة من الجنون، فلأنهم قد ماتوا مع الأب فلم يجد كمال من يستعين بهم واضطر لغلو أجر الآخرين إلى الإرتكان لمهارة ظنها فى نفسه أو أخوته، وقد توالت عليه الكوارث بسبب تلك المظنة فها هى زوجته تموت غرقا لأنها فعلت ولأول مرة ما لم تعتاد عليه وتجربه فغرقت، وها هى المخدرات تذوب فى مياه الملاحة لأنه لم يتم تغليفها فى أكياس بلاستيكية قبل وضعها فى الصفائح الحديدية التى قد تذوب من المياه المالحة، وهذا يلقى الضوء على أهمية التخصص وأنه لا يجب الزعم بالمعرفة الحقيقية طالما أنه كان ذلك نتاج فقط رؤية بصرية وليس تدريبا وإعتيادا والمثل الدارج ( اعط العيش لخبازه ولو أكل نصفه) ...

الفيلم هو بحق دراما تربوية حكيمة فى سياق درامى سلس مع تمثيل بارع لممثلين كبار ويستحق الترتيب ال56 من أفضل 100 فيلم فى القرن العشرين...

وإلى تحليل درامى آخر....