1- عاشور الناجى ( حلقة 1)

" ملحمة الحرافيش " هى إحدى الرويات العظيمة للكاتب العالمى الحائز على نوبل " نجيب محفوظ" والتى أتشرف بعرض ملخص دقيق لها غير مخل بأحداثها الكثيرة فى مدونة " إبداع القلم"، وهى بحق رواية ممتعة خصبة ودسمة بالأحداث والتى تعكس ذلك الصراع الأبدى بين الخير والشر وقد كان من نهج نجيب محفوظ الترميز فى أعماله القصصية فجعل من الحارة المصرية رمزا للوطن وأبناء الحارة هم الجمهور والفتوات هم رمز للسلطة وفى هذه الرواية أظهر تباينا بين سلوك من تولوا السلطة أو الفتونة فى هذه الحارة منذ ظهور عاشور الناجى مرورا بأحفاده الذين تباينوا بين الخير والشر وبين حب أهل الحارة وبين التجبر عليهم، وسأعرض للملخص فى حلقات كثيرة آملا فى المتابعة المستمرة لكل ما هو شيق تقدمه المدونة خدمة للقارئ العربى فى زمن عز فيه الكتاب وغلا ثمنه وشحت فيه الأوقات المتاحة للقراءة، فإلى سلسلة ملحمة الحرافيش.....

1-  عاشور الناجى ( حلقة 1)

1-  عاشور الناجى ( حلقة 1)

عثر الشيخ عفرة زيدان - أثناء توجهه  لأداء  صلاة الفجر فى المسجد -  على طفل حديث الولادة يبكى بجانب سور التكية فما كان منه بعد أن أيقن من عدم وجود أهل له إلا أن أخذه إلى بيته حيث فرحت به زوجته سكينة وهى إمرأة عقيم لم يسبق لها الإنجاب وطلبت من زوجها الشيخ عفرة أن يتخذوه بمثابة إبنا لهما والشيخ عفرة زيدان هو شيخ ضرير حافظ للقرآن وله أخ يصغره إسمه درويش ويسكن معه فى ذات البيت ودرويش هذا لم يفلح فى التعلم ولم يحفظ القرآن جيدا فما كان من أخيه الشيخ عفرة إلا أن جعله يعمل فى مهنة حمال فى الأسواق وقد كان درويش يبلغ من العمر وقت مجئ الطفل عشرة أعوام ولقد سميا الشيخ عفرة  وزوجته سكينة الطفل (عاشور) ولقد أعجب الشيخ من إستجابة الطفل عاشور لتعلم القرآن إلا أنه لم يكن له من حلاوة الصوت ما يجعله قارئا مثل الشيخ عفرة ومع ذلك فقد كان يحبه ويعتبره أفضل كثيرا من أخيه درويش الذى لم يكن يستجيب جيدا لتعاليمه ولقد وهب الله عاشور بسطة فى الجسم يلاحظها بوضوح كل ذى عينين وقد كان الشيخ عفرة يدعو له دائما بأنه تكون قوته الجسمانية فى خدمة الناس وبعد أن قاربت سن عاشور من العشرين توفى الشيخ عفرة وإضطرت أرملته سكينة للسكنى فى بلدتها بالقليوبية وهكذا أصبح عاشور وحيدا ليس معه سوى درويش ولم تكن العلاقة بينهما بالطيبة وقد سأل درويش عاشور عما ينتويه فى مستقبله للحصول على رزقه ولأن عاشور كان ما يزال غضا وحديث عهد بمواجهة الحياة العملية، فإنه لم يكن يعرف له طريقا يسلكه لمواجهة أعباء الحياة لأن الشيخ عفرة كان قبل وفاته يكفيه تقريبا مؤنته وحينئذ أقنعه درويش بإمكانية العمل معه وقد ظن عاشور أنه يقصد بذلك العمل معه كحمال فى الأسواق لأن تلك هى الحرفة التى يمتهنها درويش ولكنه إكتشف أن درويش أصبح يمتهن قطع الطريق على المارة فعاتبه وتشاجر معه ورأى أن يفارقه....

وإذ كان عاشور هائما على وجهه دون مأوى يعمل بأى عمل حتى يحصل منه بما يقيم أوده، عرض عليه أحدهم أن يكون من أتباع فتوة الحى قنصوه ولكنه رفض وآثر أن يشتغل بأية حرفة غير ذلك وذلك ليقينه بأن الفتونة التى يمارسها قنصوه ليست بالمهنة الحلال التى يبارك الله رزقها وهو يعرف أن قنصوه هذا مكروه من الناس وبعد فترة تمكن من العمل عند المعلم  زين الناطورى كمكارى وقد أعجب به المعلم زين ونجح عاشور فى إكتساب ثقته وفى هذه الأثناء رغبت زوجة زين فى تزويجه من إبنة زوجها زينب التى تجاوز سنها الخامسة والعشرين فهى تعتبر زينب ببقاءها دون زواج بمثابة حجر عثرة فى طريق زواج بناتها من صلبها وتحت إلحاحها بهذه الفكرة على زوجها وافق على مضض بعد أن إقتنع أن ذلك هو السبيل الوحيد كى تتزوج إبنته التى لا تمتع بأى جمال...

تزوج عاشور من زينب وترقى بعد ذلك فى عمله فأصبح سائق لعربة كارو وأنجب عاشور من زوجته (التى لم تبخل أبدا بمساعدته بما ورثته عن أبيها بعد وفاته) ثلاثة أبناء هم: حسب الله و رزق الله وهبة الله ولقد انخرطوا فى حرف مختلفة فى صباهم ولكنهم كانوا أقل من أبيهم عاشور قوة وبسطة فى الجسم ....

فى أحد الأيام لقى عاشور درويش مصادفة بعد فراق طويل و كانت آخر جلسة جمعتهما قد شهدت معرفة عاشور بحقيقة أصله وأنه لقيط ابن حرام وليس كما أخبره الشيخ عفرة بأنه ابن يتيم لوالدين توفيا معا وكانا صديقين له ولأن درويش هو من أخبر عاشور بهذه الحقيقة المرة بجفاء شديد فقد أضمر عاشور لدرويش بغضا شديدا وبالرغم من ذلك ووفاءا لذكرى الشيخ عفرة فإنه لم يرفض إعطاءه مالا عندما أتاه متسولا يطلب مال ولكنه إكتشف بعد فترة أن درويش استثمر ما أخذه من المال من عاشور فى بناء خمارة تقدم البوظة وكانت تلك الخمارة هى الأولى فى الحارة ولم يجرؤ قبله أحد على مشروع كهذا وهذا الفعل من جانب درويش أغاظ عاشور وبخاصة لأن أولاده أصبحوا يرتادون تلك الخمارة وفى إحدى المرات تشاجروا بخصوص فتاة تدعى فلة كانت تعمل عند درويش وهذه الفتاة كانت يتيمة تبناها درويش كى تعمل عنده وكانت صبية جميلة تأخذ بلب كل من يشاهدها...

حفاظا على أولاده من أن تفسد أخلاقهم، فقد كان عاشور يضطر إلى الذهاب يوميا إلى تلك الخمارة كى يمنع أولاده من دخولها ولكنه كان يحرص على عدم شرب البوظة إذ كان متدينا جدا و مع رؤيته لفلة كان يشتهيها فى عقله ويقارنها بزوجته التى تزداد دمامة مع مرور الأيام وهكذا طلب منها الزواج وحدثت مشاجرة بينه وبين درويش بسبب ذلك ولكنه تمكن بسبب قوته البدنية من إستخلاصها من درويش والزواج منها وحزنت زوجته الأولى زينب مما فعله زوجها ولكنها اضطرت إلى الأعتياد على ذلك وتقبل الأمر الواقع.....

عندما جاوز عاشور الأربعين من عمره أنجبت له فلة إبنا أسمياه ب(شمس الدين) ....

وفى أحد الأيام أتى على الحارة وباء شديد تسبب فى موت الكثيرين وقد كانت حالات الوفيات تزداد يوميا وفى ليلة أثناء ذلك الوباء اللعين رأى عاشور رؤيا وهى أن الشيخ عفرة يأمره بالرحيل عن ذلك الحى إلى الخلاء (الصحراء) وحاول عاشور أن يقنع زينب وأولاده حسب الله ورزق الله وهبة الله بذلك ولكن عبثا إذ لم يستجيبوا له ورفضوا طلبه ورغبة منه فى إنقاذ الحارة فقد أفصح بفكرته لشيخ الحارة حميدو الذى نعته بالجنون وهكذا إضطر عاشور إلى الرحيل مع زوجته فلة وإبنه شمس الدين ومكث معهما فى كهف فى الخلاء لفترة من الزمن ولكنه كان يترقب الأخبار عن حارته إذ كان يسأل الناس فى الحارات المجاورة - التى يذهب إليها للحصول على المياه - عما يستجد من أنباء عن حارته فعرف منهم بأن الوباء قد تلاشى تقريبا وفى خلال هذه الفترة نجح عاشور فى تعليم زوجته بعض أمور دينها التى كانت تجهلها وبعد مرور ستة أشهر عاد هو وزوجته وإبنه إلى الحارة ففوجئوا بأنها قد خلت تماما من البشر ولم يجد زوجته زينب أو أولاده وبمرور الأيام أيقن أنهم لا شك قد هلكوا فى الوباء ولأن الحارة كانت خالية من الناس فقد أغراه بيت أحد الأعيان ويدعى البنان بالسكنى فيه وبالفعل سكن فيه مع زوجته وإبنه وأخذوا جميعا يتمتعون بحياة ورفاهية لم يسبق لهم مثلها، وبمرور الأيام توافد الناس على الحارة وقامت الحكومة بجرد كل شئ فى الحارة وقد ظن الناس أن عاشور هذا كان ممن يسكنون الحارة أثناء الوباء ولكنه نجا ببركة الله من الوباء فأسموه تبعا لذلك ب(عاشور الناجى).

 ولأنه كان سخيا على الفقراء ( بسبب المال الذى كان يجنيه من بيع تحف منزل البنان) فقد أحبه الجميع ولكن ما لبثت الحكومة ممثلة فى شيخ الحارة محمود قطائف أن طلبت منه إحضار ما يثبت ملكيته لهذا المنزل الفخم ولأنه لم يكن معه إثبات ملكية فقد عرفت الحكومة الحقيقة وتم سجنه لمدة عام إلا أن هذا لم يقلل مما كان يملكه من حب فى قلوب الناس بسبب سخائه على الفقراء وقيامه ببناء زاوية وسبيل وقد حاول درويش الذى نجا هو الآخر من الوباء (لأنه إقتنع بنصيحة عاشور وذهب إلى الخلاء مثله) أن يعيد بناء خمارته بل وحاول أيضا إستغلال حبس عاشور فنصّب نفسه فتوة للحارة يأخذ الإتاوات ولكن ما أن خرج عاشور من السجن حتى إنفض أتباع درويش من حوله كى ينضموا إلى عاشور الناجى الذى كان يأخذ الإتاوة من الأغنياء فقط ولكى يعطيها للفقراء كما أنه ألزم رجاله بإشتغال الحرف وعدم الإعتماد على الإتاوة كمصدر كلى للرزق ونتيجة لذلك أحبه الجميع إلى أن جاء يوم لم يجده فيه أحد وكأنه قد تبخر فى الهواء وحدث ذلك عندما جاوز عاشور الستين من عمره......

يتبع

الحلقة التالية بعنوان " شمس الدين الناجى" اضغط هنا