1- إغتيال إبراهام لينكولن

قسم جديد يعرض لأشهر الإغتيالات السياسية عبر التاريخ، ولجوء الأفراد أو الجماعات لإرتكاب عمليات الإغتيال مرده أحد أمرين أحدهما أن الذى يتم إغتياله هو إصلاحى مما يوغر أعداء الإصلاح عليه فيريدون قتله لإيقاف مسيرته الإصلاحية، والأمر الآخر أن شخصية من يتم إغتياله قد بلغت من الإيذاء والتجبر والصلف والغرور حدا يجعل الناقمون عليه كثر وهم لا يجدون ثمة وسيلة لإبعاده عن المشهد مما يضطرهم لإرتكاب الإغتيال وهو جريمة نكراء لا شك، وسنعرض من خلال المقالات لأشهر قصص الإغتيال عبر التاريخ ، وأولى الحلقات إبراهام لينكولن، فإلى المقال.....

1- إغتيال إبراهام لينكولن

1- إغتيال إبراهام لينكولن

سيرته:

يعتبر أبراهام لينكولن ( الرئيس ال16 فى تاريخ الولايات المتحدة) واحداً من أعظم وأهم الرؤساء الذين مروا في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وهو أول من ألغى نظام العبودية في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنقذ الاتحاد وقاد البلاد في أحلك الظروف وأصعبها إلى بر الأمان. ويتم تصنيفه من ضمن أفضل خمس رؤساء فى تاريخ الولايات المتحدة إلى الآن .

ولد في 12 فبراير 1809بولاية إيلينوى لأسرة فقيرة لأبوين مزارعين ولم يحصل على تعليم رسمى إلا أنه تمكن من تكوين ثقافة عالية من جراء قراءاته الكثيفة لأمهات الكتب الغربية، وكان لديه أخ صغير يدعى توماس توفي صغيراً، وأخت تدعى سارة.

في 5 أكتوبر 1818، توفيت والدته وهو بعمر التاسعة نتيجة التسمم بالحليب، وتزوج والده من سيدة تدعى سارة بوش جونستون وهي أم لثلاثة أطفال، وكانت في البداية علاقة أبراهام مع والده سيئة إلا أن زوجة أبيه هي من رممت العلاقة بينهما، لكونه على علاقة جيدة معها...

في عام 1832، انتقل إلى نيوأورليانز حيث جرب نفسه بالتجارة مع صديق له ولكن المشروع لم يكن ناجحاً.

ثم دخل إلى عالم السياسة حيث بدأ بحملة انتخابية للحصول على مقعد في الجمعية العامة لإلينوي، ولكنه خسر في الانتخابات، ثم بعد ذلك خدم كقبطان في القوات الشعبية في إلينوى، ومن ثم بدأ لينكولن يدرس بكتب القانون ليحقق حلمه بأن يصبح محامياً، وفي عام 1834، فاز بالانتخابات التشريعية لمجلس ولاية إلينوي عن حزب اليمين Whig ( كان الحزب الثانى بأمريكا قبل انقراضه على يدالحزب الجمهورى) ، وفى عام 1836 انتقل إلى سبرينغفيلد بولاية إلينوى حيث التحق بنقابة المحامين، وبدأ ممارسة المحاماة.

في ديسمبر عام 1839، التقى بماري تود وهي من عائلة ثرية، وقد كانا على إنسجام تام، وتزوجا في 4 نوفمبر 1842، ورزقا بأربعة أطفال توفي ثلاثة منهم ولم يبقى إلا روبرت تود لينكولن وهو الابن الاكبر.

في عام 1846، أصبح عضواً بمجلس النواب الأمريكى عن حزب اليمين Whig، في عام 1848، عرض عليه منصب حاكم إقليم أوريغون، وذلك بعد خسارته بالانتخابات الرئاسية، رفض لينكولن العرض بحجة ممارسته المحاماة، فقد أصبح محامياً لامعاً ذو سمعة جيدة.

عاد لينكولن إلى حياته السياسية وذلك من خلال معارضته الشديدة لقانون كانساس نبراسكا الذي يسمح للمستوطنين بتقرير مصير العبيد الذين يملكونهم، في 16 أكتوبر 1854، ألقى خطاب أدان فيه العبودية وعدم المساواة بين المواطنين، في نفس العام خاض انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي لكنه خسرها بسبب معارضته للقانون السابق.

في عام 1856، حصل لينكولن على المركز الثاني ليكون مرشحاً للحزب الجمهوري المشكل حديثاً، وذلك لمنصب نائب رئيس الحزب، وفي عام 1858، رشحه الحزب الجمهوري لخوض انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي، خسر لينكولن الانتخابات أمام مرشح الحزب الديمقراطي ستيفان أ.دوغلاس، وذلك لمعارضته العبودية.

وفي 6 نوفمبر 1860، انتخب لينكولن كرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية، في 4مارس 1861، تولى منصب الرئاسة ليصبح أول رئيس من الحزب الجمهورى....

على إثر إنتخابه، قررت بعض الولايات الجنوبية سحب نفسها من الاتحاد وتكوين دولة مستقلة باسم الولايات الكونفدرالية الأمريكية، الولايات هم ساوث كارولينا وفلوريدا وميسيسيبي وألاباما وجورجيا ولويزيانا وتكساس، بقيادة جيفرسون ديفيس، ولكن لينكولن رفض الاعتراف بالكونفدرالية واعتبر انفصال الجنوب غير قانوني، ثم أعلن عن أمرين هامين أولهما أنه  يجب الدفاع عن واشنطن بشكل جيد، ويجب شن حرب سريعة وحاسمة وذلك لإعادة توحيد الأمة، دعا من خلالها 75 ألف متطوع للانضمام للخدمة العسكرية، وثانيهما أنه أعلن أحكاماً عرفية بحيث اعتقل وسجن كل متعاطف مع الاتحاد الكونفدرالي، وعين الجنرال مكليلان كرئيس عام لجميع جيوش الاتحاد.

ثم أصدر إعلان تحرر العبيد في 22 سبتمبر 1862، ودخل حيز التنفيذ في 1يناير 1863. ووفقاً للإعلان فقد تم إعلان العبيد الذين ينتمون للولايات الكونفدرالية الأمريكية بحكم الأحرار، وذلك عندما تقدمت جيوش الاتحاد نحو الجنوب ازداد تحرير العبيد، وخلال وقت قصير تم تحرير ما يقارب 3 ملايين من العبيد من الأراضي الكونفدرالية، وبمجرد تحرر هؤلاء العبيد أدى ذلك لانضمام قسم كبير منهم إلى جيش الاتحاد.

في 4مارس 1865، أدى لينكولن اليمين الدستوري كرئيس لولاية ثانية، بعد أن حصل على دعم من جميع الولايات باستثناء ثلاثة منها، كما حصل على 78% من أصوات جنود الاتحاد، فيما بعد ضغط لينكولن على الكونغرس لإلغاء العبودية في جميع أنحاء البلاد من خلال تعديل الدستور، ولكنه فشل بتمرير هذا التعديل في محاولته الأولى، لكن تم تمريره بعد إغتياله في 6 ديسمبر 1865.

حادثة الإغتيال:

وفى 9 أبريل 1865 استسلم كبير الضباط الجنوبيين، الجنرال روبرت لى، فانتهت بذلك فعلياً الحرب الأهلية الأمريكية وبعد استسلام الجنوب، وفى يوم 14 أبريل 1865 حضر مع زوجته مسرحية في ماريلاند يمثّل فيها مجموعة من المتعاطفين مع قضية الانفصال، فقام أحدهم وهو جون ويلكس بوث John Wilkes Booth ، البالغ من العمر حينها 26 سنة بإخراج مسدسه وإطلاق النار على رأسه فأرداه قتيلاً.

رسم تخيلي لحادثة اغتيال أبراهام لينكولن

في هذه الأثناء، لعبت العديد من العوامل دوراً هاماً في إنجاح عملية الاغتيال التي طالت أبراهام لينكولن وقد مثّل الشرطي جون باركر (John Parker) أحد هذه العوامل. فبدون قصد، سهّل الأخير عمل القاتل جون ويلكس بوث وتسبب في وقوع الكارثة، بعد أن كان قادراً على إنقاذ حياة الرئيس في حال ملازمته لمكانه.

فبعد أن عمل لفترة في مجال النجارة بولاية فرجينيا، انتقل جون باركر للعاصمة واشنطن والتحق بسلك الشرطة بعد مضي فترة وجيزة عن تكوينه. وقد تميّز الأخير أثناء فترة عمله بسلوكه المشين الذي أضر بسمعة شرطة واشنطن حيث عمد جون باركر مرات عديدة لشرب كميات هائلة من الكحول والنوم أثناء فترة العمل، كما تغيّب لأكثر من مرة عن مكان عمله مثيراً بذلك قلق زملائه الذين عثروا عليه لاحقا نائما بالشوارع.

وبالنسبة لأبراهام لينكولن، فقد تضايق من تواجد حراس بجانبه فكان يعمد غالبا للتنقل بمفرده لمسافات بعيدة معرضا بذلك حياته للخطر. ومع تكوين فرقة من 4 حراس مسؤولة عن حماية لينكولن سنة 1864، تواجد الشرطى جون باركر، صاحب السلوك المشين والمخالفات المتعددة، ضمن هذه الفرقة فأوكلت إليه مهمة السهر على حماية الرئيس وضمان سلامته.

ويوم الفاجعة، تأخر جون باركر 3 ساعات عن موعده لحماية الرئيس فحل بمسرح فورد في حدود الساعة السابعة مساء بدلا من الرابعة. وعند الساعة التاسعة مساء، دخل الرئيس أبراهام لينكولن ومرافقوه المسرح واستقر بشرفته بعد أن حيّا الممثلين والجماهير التي صفّقت له.

إلى ذلك، استقر الشرطي جون باركر بالبهو المؤدي لشرفة لينكولن لحراسته. وبسبب عدم قدرته على مشاهدة العرض، تنقّل باركر نحو شرفة أخرى قبل أن يغادر المكان رفقة اثنين من مرافقي لينكولن نحو حانة ستار صالون (Star Saloon) المجاورة لتناول الكحول.

ومع حلوله قرب شرفة الرئيس، وجد القاتل جون ويلكس بوث مقعد الحراسة الموجود بالخارج فارغا فاتجه صوب أبراهام لينكولن ووجه له رصاصة قاتلة استقرت برأسه ثم قفز من أعلى الشرفة نحو خشبة المسرح كى يلوذ بالفرار.

وقد اختلف المؤرخون حول حقيقة عودة جون باركر لموقعه تلك الليلة عقب اغتيال الرئيس حيث تحدّث كثيرون عن قضائه لما تبقى من الليل نائما داخل الحانة. وخلال الأيام التالية، اعتقل جون باركر وواجه تهما بالتقصير في مهمته بحماية الرئيس قبل أن يطلق سراحه بعد نحو شهر.

من جهة ثانية، رفض زملاء جون باركر وزوجة أبراهام لينكولن قبول اعتذار هذا الشرطي كما اتجهت أرملة الرئيس بتحميله مسؤولية مقتل زوجها. وعن الحادثة، قال جون باركر إنه لم يكن يتوقع حدوث محاولة اغتيال لرئيس طيب كأبراهام لينكولن.

هذا وواصل جون باركر عمله بسلك الشرطة لثلاثة سنوات إضافية قبل أن يفصل نهائيا سنة 1868 بسبب نومه أثناء العمل ليعود بذلك لمهنته السابقة كنجار. وسنة 1890، فارق الأخير الحياة عن عمر يناهز 60 سنة عقب إصابته بالتهاب رئوي.

شركاء بوث كانوا لويس باول وديفيد هيرولد الذي تم تعيينه لقتل وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد، وجورج أتزيريدت الذي عُين لقتل نائب الرئيس أندرو جونسون. وقد أمل بوث وشركاؤه عن طريق القضاء على أهم ثلاث أشخاص في الإدارة أن يسقطوا الحكومة الأمريكية. أطلق بوث النار على لينكولن بينما كان يشاهد مسرحية "قريبنا الأمريكي" برفقة زوجته ماري تود، أما خطة الآخرين فقد فشلت، حيث أن باول استطاع جرح سيوارد، أما أتزيريدت الذي كان عليه قتل جونسون فقد فقد أعصابه وهرب إلى واشنطن.

عقب الإغتيال:

بعد أن سمع الرائد راثبون صوت الطلق الناري قفز بسرعة من كرسيه محاولا منع بوث من الهرب، لكن هذا الأخير أخرج سكيناً وطعن به الرائد راثبون بشكل عنيف في ساعده الأيسر، لكن راثبون نهض بسرعة وحاول مرة أخرى منع بوث من القفز من عتبة المقصورة لكنه هاجمه مرة أخرى وقفز حتى وصل أرض المسرح وسقط على قدمه اليسرى بشكل غريب ثم اسكتمل طريقه بالرغم من إصابته ثم عبر أرضية المسرح مما جعل الجمهور يظن أنه جزء من العرض، أمسك بوث سكينه المدمى فوق رأسه ثم صرخ "الجنوب انتقم!".

بكاء كلارا هارس وزوجة لينكون بالإضافة إلى صرخات راثبون "أوقفوا ذاك الرجل!" جعلت الجمهور يدرك أن أفعال بوث لم تكن جزءاً من المسرحية ثم توقف الهرج والمرح تماماً. هرب بوث من المسرح قبل أن يستطيع أحد مهاجمته وهرب من الباب الجانبي ليركب الحصان الذي كان في انتظاره هناك، طارده بعض الرجال من الجمهور لكنهم لم يفلحوا في الإمساك به، ضرب بوث الرجل الذي كان يحرس الحصان في جبهته بمقبض سكينه ثم هرب ممتطياً الحصان.

كان في المسرحية طبيب جراح شاب يحضر المسرحية اسمه شارلز ليل، حاول هذا الأخير الوصول إلى المقصورة الرئاسية لكنه لم يستطع فتح الباب فرآه راثبون وفتح له الباب حيث نزع العصا الخشبية التي وضعها بوث.

دخل ليل المقصورة ليجد راثبون نازفاً بغزارة بسبب جرح بليغ في صدره، لكنه تخطاه وتوجه إلى لينكولن الذي وجده منهاراً على كرسيه، وكانت زوجته ممسكة به باكيةً وغير قادرة على السيطرة على نفسها، اكتشف ليل أن أبراهام أصبح مشلولا ويتنفس بصعوبة، فوضعه على الأرض لأنه اعتقد أنه مطعون بالسكين في كتفه، طبيب ثانٍ اسمه تشارلز سابين تافت وصل بصعوبة للمقصورة الرئاسية. الطبيب تشارلز برينرد تود وضح أنه لم يستطع الوصول للمقصورة قائلا:"لقد حاولت الوصول إلى المقصورة، لكن لم أستطع، لقد تعالى الصراخ " الرئيس تم اغتياله'، مشهد لم أره من قبل."

نزع الطبيبان ليل وتافت ملابس لينكون الملطّخة بالدماء، واكتشف ليل الطلق الناري في مؤخرة رأس لينكولن فحاول نزعها لكنها كانت عميقة جداً فقام بإزاحة تجلطات الدماء بدلا من ذلك، هكذا تحسن تنفس لينكولن. علم ليل أنه إن استمرّ في إزاحة تجلطات الدماء سيحسن هذا التنفس أكثر فأكثر، ليكتشف بعدها أن الرصاصة اخترقت جمجمة لينكون وكسرت جزءاً منها على نحو خطير حتى وصلت الجانب الأيسر من دماغه فوق عينه اليمنى تماماً. ثم أعلن أن ما سيفعله لن يشكل أي فارق: "جرحه قاتل، من المستحيل أن يُشفى."

مصير بوث وشركائه:

جون ويلكس بوث

حاول بوث الهرب مع شركائه ولكنه ظل مطاردًا من قبل السلطات الفيدرالية، وقُبض عليه وقُتل بعد مرور 12 يومًا فقط على الجريمة حيث حوصر على يد رجال الجيش الاتحادي في أحد حقول التبغ، الذي اندلعت فيه نيران أحدثها الجيش، وهنا حاول بوث الخروج والهرب، فأطلق عليه النار وأُصيب في عنقه، وفارق الحياة في السادس والعشرين من شهر أبريل 1865.

تم القبض على المشتبه بهم الذين كانوا على علاقة باغتيال الرئيس أو كان لهم أدنى اتصال مع بوث أو أحد شركائه، ثم تم إطلاق سراحهم جميعًا ما عدا ثمانية سجناء (سبعة رجال وامرأة) هم شركاء بوث بالإضافة إلى رجل اسمه ادموند سبانجلر وماري سورات. وتمت محاكمتهم عن طريق القضاء العسكري بأمر من أندرو جونسون بتاريخ 1 مايو 1865، ودامت المحاكمة قرابة سبعة أسابيع.

تم إعدام جون سورات ولويس باول وجورج أتزيريدت شنقًا بتاريخ 7 يوليو 1865، وذلك تحت إشراف ضابط الاتحاد وينفيلد سكوت هانكوك. وكانت ماري سورات أول امرأة تُعدَم من قبل حكومة الولايات المتحدة. بينما توفي مايكل أولافلن في السجن جراء إصابته بالحمى صفراء في 1867. وتم العفو عن صامويل أرنولد وصامويل ماد وادموند سبانجلر في فبراير 1869 من قبل الرئيس جونسون، وظل هذا الأخير متمسكًا بأنه لم تكن له أى صلة بالمؤامرة حتى وفاته في 1875.