هدى شعراوى وفاطمة سرى ( عندما تكون شعارات المبادئ جوفاء)

هدى شعراوى هى إحدى رائدات العمل النسوى فى مصر فى بدايات القرن العشرين، ولها دور بارز فى محاولة توجيه شخصية المرأة بألا تنقاد لأحد وتحثها دائما على المطالبة بحقوقها وغير ذلك من أمور، ولكن حدث فى حياتها حادثا يمس أسرتها وتقع ضحيته إمرأة أخرى لنفاجأ بأن هذه الآراء المتحررة التقدمية المناهضة لإيقاع الإيذاء بأية إمرأة تتحول على طول الخط وتسير إلى النقيض تماما مما يعتبره مؤرخو عصرها نقطة سوداء توصم سيرتها واعتبروها مثال للشخص الذى لا مبدأ له الذى ينهى عن شئ ليأتى بمثله ، فإلى ثنايا المقال.....

هدى شعراوى وفاطمة سرى ( عندما تكون شعارات المبادئ جوفاء)
فاطمة سرى وهدى شعراوى

هدى شعراوى وفاطمة سرى

( عندما تكون شعارات المبادئ جوفاء)

أقامت هدى شعراوى حفلاً كبيراً في سرايتها  بعد اختلافها مع سعد زغلول وقتذاك، وفى الحفل شاهد ابن هدى شعراوى (محمَّد شعراوى) المطربة فاطمة سرى  (التى قامت بإحياء الحفل)، فأعجب بها ووقع حبها فى قلبه، فراح يلاحقها من حفل إلى حفل، ومن مكان إلى مكان، وهى معرضة عنه  ممَّا أشعل حبها في قلبه، وبدأت قصة الحب تتطور، ثم أشارت إحدى المجلات إلى هذه القصة على صفحاتها، فانزعجت المطربة، لكن الباشا لم ينزعج، وقال لها: " أريد أن تعرف الدنيا كلها أني أحبك! "

وعندما علم طليق المطربة بالقصة ثار عليها وحرمها من ولديها، ففكر محمد شعراوى فى الانسحاب بعد ما تورَّطت معه وثارت من حولهما الشبهات، فكتب لها شيكاً بمبلغ كبير ثمنا للوقت الذى أمضاه معها، فما كان منها إلا أن مزَّقت الشيك وداسته بأقدامها وتركته وهى ثائرة غاضبة، فلحق بها محمَّد شعراوى واعتذر لها عن سوء تصرفه وعرض عليها الزواج بشكل عرفى، فاعترضت المطربة وقالت إنَّها تريد عقدا شرعيا، فطلب منها أن تمهله حتى يسترضى والدته أو بمعنى آخر يجس نبضها...

في هذه الأثناء كانت المطربة قد شعرت بدبيب الحمل وقررت إجهاض نفسها، وعندما أخبرها الطبيب بأن هذا الإجراء خطر على حياتها، تمسك شعراوى بها وبالجنين، وكتب الإقرار التالى بخط يده، وقد نقله إلينا وتفاصيل هذه الواقعة الكاتب المعروف مصطفى أمين في كتابه "مسائل شخصية":

إقـرار

أقرُّ أنا الموقع على هذا محمد على شعراوي نجل المرحوم على باشا شعراوى، من ذوى الأملاك، ويقيم بالمنزل شارع قصر النيل رقم 2 قسم عابدين بمصر، أنني تزوجت الست فاطمة كريمة المرحوم سيد بيك المرواني المشهورة باسم "فاطمة سرى" من تاريخ أول سبتمبر سنة 1924 ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين أفرنكية، وعاشرتها معاشرة الأزواج، وما زلت معاشرا لها إلى الآن، وقد حملت منى مستكناً فى بطنها الآن، فإذا انفصل فهذا ابنى، وهذا إقرار منى بذلك. وأنا متصف بكافة الأوصاف المعتبرة بصحة الإقرار شرعاً وقانوناً، وهذا الإقرار حجة عليَّ تطبيقاً للمادة 135 من لائحةالمحاكم الشرعية، وإن كان عقد زواجى بها لم يعتبر، إلا أنَّه صحيح شرعى مستوف لجميع شرائط عقد الزواج المعتبرة شرعاً.

محمد علي شعراوى القاهرة فى 15 يونيو1925م

وعلمت هدى شعراوى بزواج ابنها الوحيد من المطربة، فثارت ثورة عارمة واتهمت ابنها بأنَّه يحاول قتلها بهذا الزواج، وحاولت الضغط على المطربة بما لها من نفوذ وعلاقات واسعة، بالتهديد بتلفيق ملف سرى فى شرطة الآداب يتهمها بالدعارة، لكن المطربة تحدتهم وقالت إنها ستطلق بنفسها الرصاص على أى وزير داخلية يقوم بهذا التزوير!

اشتعلت المعركة بين هدى شعراوى وابنها وزوجته المطربة، فقرر ابنها السفر إلى أوروبا وطلب من زوجته اللحاق به، فكان يتنقَّل من مدينة إلى مدينة، ومن بلد إلى بلد تاركا ـ لزوجته - في كل مدينة وفي كل بلد رسالة مفادها أن تلحق به، لكنها برغم حرصها على اللحاق به لم تعثر عليه فى أى مكان ذهبت إليه، ويبدو أنَّه كان يتهرَّب منها، فعادت المطربة إلى مصر ومعها طفلتها "ليلى" التي أخفتها عن العيون خوفاً عليها، وبعد مدة عاد شعراوى ليسأل عنها وعن ابنته ويسألها أيضا عن الإقرار، فسألته: هل يهمك الحصول على هذه الورقة؟ فقال: بهذا تثبتين إخلاصك لي إلى الأبد، فمدَّت يدها تحت الحشية التى كانا يجلسان عليها وأخرجت الورقة وسلمتها له، بعد أن قامت بتصويرها "زنكوغراف" صورة مطابقة للأصل، لم يتبين شعراوى أنَّها صورة، فالخط خطه ولون الحبر نفسه، وكانت هذه نصيحة محاميها.

خرج شعراوى بعد ما طمأنها بأنَّه سيحتفظ بالورقة في مكان آمن لتكون دليلاً ترث به ابنته منه، ثم احتضن الصغيرة، وقبل الزوجة وخرج وهو يقول إنَّه سيعود صباح اليوم التالي، ولم يعد أبداً!

اتصلت به المطربة هاتفياً، فأنكر نفسه، فعاودت الاتصال، فوجدته وقد انهال عليها سباً وشتماً، وأغلق في وجهها الخط!

بعدما يأست المطربة فاطمة سرى من شعراوي باشا كتبت الخطاب التالي إلى والدته السيدة هدى شعراوي زعيمة النهضة النسائية في مصر، فقالت:

سلاماً وبعد، إنَّ إعتقادى بك وبعدلك، ودفاعك عن حق المرأة، يدفعني كل ذلك إلى التقدم إليك طالبة الإنصاف، وبذلك تقدمين للعالم برهاناً على صدق دفاعك عن حق المرأة، ويمكنك حقيقة أن تسيرى على رأس النساء مطالبة بحقوقهن، ولو كان الأمر قاصراً عليَّ لما أحرجت مركزك، لعل أنَّك أم تخافين على ولدك العزيز أن تلعب به أيدي النساء وتخافين على مستقبله من عشرتهن، وعلى سمعته من أن يقال إنَّه تزوَّج امرأة كانت فيما مضى من الزمان تغنى على المسارح، ولك حق إن عجزتِ عن تقديم ذلك البرهان الصارم على نفسك؛ لأنَّه يصيب من عظمتك وجاهك وشرف عائلتك، كما تظنون يا معشر الأغنياء، ولكن هناك طفلة مسكينة هى ابنتى وحفيدتك، إنَّ نجلك العزيز، والله يعلم، وهو يعلم، ومن يلقي عليها نظرة واحدة يعلم ويتحقق من أنَّها لم تدنس ولادتها بدم آخر، والله شهيد، طالبت بحق هذه الطفلة المعترف بها ابنك كتابياً، قبل أن يتحوَّل عني وينكرها وينكرني، فلم أجد من يسمع لندائى، وما مطالبتي بحقها وحقي كزوجة طامعة فيما لكم، كلا! والله فقد عشت قبل معرفتى بابنك، وكنت منزهة محبوبة كممثلة تكسب كثيراً، وربما أكثر ممَّا كان يعطيه لي ابنك، وكنت متمتعة بالحرية المطلقة، وأنت أدرى بلذة الحرية المطلقة التى تدافعين عنها، ثم عرفت ابنك فاضطرنى أن أترك عملي وأنزوي في بيتي، فأطعته غير طامعة بأكثر ممَّا كان يجود به، وما كنت لأطمع أن أتزوَّج منه، ولا أن ألد منه ولداً، ولكن هذه غلطة واسأليه عنها أمامى، وهو الذي يتحمَّل مسؤوليتها، فقد كنت أدفع عن نفسي مسألة الحمل مرارا وتكرارا، حتى وقع مالم يكن في حسابى، هذه هي الحقيقة الواقعة وانتهى الأمر.  والآن يتملَّص ولدك من كل شيء، ولا يريد الاعتراف بشىء، وقد شهد بنفسه من حيث لايدري بتوسيطه كثيرين في الأمر، وما كنت في حاجة لوساطة، ولو كان تقدَّم إليَّ طالباً فك قيده لفعلت، وكانت المسألة انتهت في السر، ولم يعلم بها أحد، فعرض عليَّ في الأول قدراً من المال بواسطة علي بك سعد الدين (سكرتير عام وزارة الأشغال)،وبواسطة الهلباوي بك (المحامي الكبير) وغيرهم ممَّن حضروا إليَّ ظانين أنني طامعة في مالهم، وأنَّه فى إمكاني إنكار نسب ابنتي إذا أغروني! ولكنني أخاف إلهاً عادلاً بأنَّه سيحاسبني يوماً عن حقوقها ـ إن لم تحاسبني هي عليها ـ فلم يجد محمد منى قبولاً للمال، وعندما وجد مني امتناعاً عن إنكار نسب ابنته سكت عني تماماً، فوسطت" فهيم أفندي باخوم" محاميه، فاجتهد في إقناعه بصحَّة حقوقي وعقودي واعترافه بابنته، وتوسَّط في أن ينهي المسألة على حل يرضي الطرفين، فلم يقبل نجلك نصيحته بالمرة، وكان جوابه أن ألجأ برفع دعوى عليه ومقاضاته، وهو يعلم تماما أنَّ نتيجة الدعوى ستكون في صالحي، فلا أدري ماذا يفيده التشهير في مسألة كهذه سيعلم بها الخاص والعام، وسنكون أنا وأنتم مضغة في الأفواه، وأنت أدرى بجونا المصرى وتشنيعه، خصوصاً في مسألة كهذه، وهذا ما يضطرني إلى أن أرجع إليك قبل أن أبدأ أية خطوة قضائية ضده، وليس رجوعى هذا عن خوف أو عجز، فبرهاني قوي ومستنداتي لا تقبل الشك وكلها لصالحي، ولكن خوفاً على شرفكم وسمعتكم وسمعتي، ولو أنني كما تظنون لا أبالي، فربما كانت مبالاتي في المحافظة على سمعتي وشرفي أكثر من غيري في حالتي الحاضرة، فهل توافقين يا سيدتي على رأي ولدك في إنهاء المسألة أمام المحاكم؟ أنتظر منك التروى في الأمر، والردّ عليَّ فى ظرف أسبوع؛ لأنني قد مللتُ كثرة المتداخلين في الأمر..

                                                                                     ودمت للمخلصة فاطمة سري.

ما كادت هدى شعراوي تنتهي من قراءة رسالة المطربة حتى ثارت ثائرتها، واعتبرتها إعلاناً لحرب، واعتبرتها إنذاراً نهائياً مدته أسبوع واحد، فنست كل مبادئها للتحرير، وخاضت معارك عنيفة ضد المطربة، وبعد سنوات من المرافعات والضغوط والتدخلات، إذا بالمحكمة الشرعية تحكم بأنَّ "ليلى" هي ابنة محمد شعراوى، وفي الحال خضعت هدى شعراوى لحكم القضاء.

لم تنته اللعنة التي لحقت بهدى شعراوى جراء خوضها فيما سمي "تحريرالمرأة" بعد، فبعد أن تزوج محمد شعراوى من سيدة من أسرة عريقة نزولاً على رغبة والدته ورزق منها عدة بنات وولداً، لم يوفق معها، فتزوج للمرة الثالثة من راقصة تدعى "أحلام" رزق منها ثلاثة أولاد،

ولم تعلم محررة المرأة بهذه الكارثة الجديدة، فقد حدثت بعد إن ماتت بالسكتة القلبية .