مقتل وداد حمدى

فى ربيع عام 1994، استيقظت مصر على خبر وفاة الفنانة " وداد حمدى" ولم تكن المفاجأة فى وفاتها فحسب، ولكن أن يكون الخبر هو مصرعها طعنا بالسكين وأنها ضحية جريمة جنائية بغرض السرقة!!! فهى كانت سيدة – كما يذكر من تعاملوا معها – فى حالها وليست بالتى تتداخل مع الآخرين بالصورة التى تجعلها فى علاقات متشعبة من الممكن أن تدفع أحدهم لقتلها، كما أنها كانت حريصة فى تعاملها وتتوخى الحذر مع الآخرين، ورغم أنها وحيدة فى مسكنها وقد جاوزت حينها السبعين من عمرها إلا أنها كانت قادرة على خدمة نفسها وتذهب وتجئ من وإلى المنزل دون طلب المعاونة من أحد، فلماذا يتم قتلها؟ وما هى الدوافع؟ ولماذا هى بالذات تكون ضحية سرقة وفى منزلها؟ كلها أسئلة ظلت لبضعة أيام حديث الشارع المصرى حتى تم إلقاء القبض على القاتل، فإلى المقال.....

مقتل وداد حمدى

مقتل وداد حمدى

من هى وداد حمدى؟

اشتهرت " وداد حمدى " بدور الخادمة حتى صار علامة مميزة عنها ولعل ذلك وإن كان قد حقق لها تواجدا سينمائيا مكثفا فى فترة ( الخمسينات والستينات) من القرن الماضى وأن ذلك التواجد المكثف قد جعل لها اسما مشهورا، إلا أنه أيضا كان السبب فى تنميطها وألا تتغير فى قوالب الدراما مما جعلها دائما فى الصف الثانى من النجوم، وعندما كبر عمرها أصبحت تنحصر أدوارها كذلك فى أدوار الأم أو الحما...

اسمها بالكامل هو وداد محمد عيسوي زرارة، من مواليد 3 يوليو عام 1924، في محافظة كفر الشيخ، حسب موقع «السينما دوت كوم»، وطبقًا لـ«الأهرام»، فقد عاشت طفولتها في مدينة المحلة، حيث كان يعمل والدها بشركة الغزل والنسيج هناك، وتعتبر أسرتها ميسورة الحال، وكانت أكبر أشقائها الخمسة، طبقًا للموقع نفسه.

عمل والدها فى التجارة بعد المعاش، لكنه تعرض لخسارة مادية أدت إلى تغير حال أسرة وداد، لتتضطر إلى السفر للقاهرة للبحث عن عمل، وعاشت في بيت عمها بمنطقة السيدة زينب.

بدأت حياتها الفنية مطربة، وكانت تحلم بمنافسة عظماء المطربين، وحاولت عرض موهبتها في أكثر من مسرح لكنها لم تستطع إثبات موهبتها الغنائية، وتلتقى ريجيسير النجوم " قاسم وجدى" الذى بالمناسبة كان مكتشف " أنور وجدى " فيقدم لها دورا فنيا فى أحد الأفلام فى الأربعينات لتبدأ رحلتها الفنية.

من أشهر الأفلام التي قدمت فيها دور الخادمة، الزوجة 13، عام 1962، إشاعة حب، عام 1959، ثورة المدينة، عام 1955، ورد الغرام، عام 1951، وتقول " وداد حمدى " عن ذلك: " أحب دور الخادمة، مادام يعجب الجمهور، اختاروه لي لأنه يحتاج إلى خفة دم، ولأن المنديل يليق بوجهي، ومع ذلك فقد مثلت أدوارًا أخرى مثل عاملة في مصنع، وتلميذة، وبنت ذوات، ومحدثة نعمة، ومثلت روايات عالمية في مسرح الطليعة، كما مثلت في مسرحية فاوست لجوتة ومسرحية تحت الرماد"

ظلت لسنوات ترفض الزواج حتى تتفرغ لرعاية أشقائها، وعندما اطمأنت عليهم، قررت الزواج، وكان زوجها الأول مدير التصوير عبدالعزيز فهمي، لكنها انفصلت عنه بعد فترة.

تزوجت كذلك من الفنان صلاح قابيل، ولم يستمر زواجهما سوى شهر واحد، أما آخر أزواجها فكان الفنان محمد الطوخي، والد الفنانة إيمان الطوخي، ورغم استمرار الزيجة لسنوات إلا أنها انتهت بالطلاق أيضَا....

عقب انفصالها الأخير، قررت الإقامة بمفردها في إحدى الشقق بعمارة «فينوس»، في منطقة رمسيس، واستمرت هكذا حتى وفاتها.

 اكتشاف الجريمة:

فى 12 ظهر ثانى يوم الجريمة ( حدثت 26 مارس 1994)، كانت السيدة ليلى عيسوي شقيقة الفنانة وداد حمدي تستعد للصعود لشقة شقيقتها التي تقع بالدور السابع، عندئذ استقبلها حارس البناية عم جوهرالذى أكد لها أن شقيقتها الفنانة نسيت إطفاء أضواء الشقة، كذلك لم تغلق الباب الحديد الذي يحيط بباب الشقة!!!! وهذه العبارة أثارت قلق ليلى كثيرا، وأدركت أن هناك خطرا أصاب شقيقتها إذ كانت ليلى تعلم أن شقيقتها شديدة الحرص فهي دائما تحرص على إغلاق بابها الحديد وتطمئن على إطفاء الأنوار قبل نومها، واجتاحت الظنون عقل السيدة ليلى حتى إنها لم تنتظر المصعد بل أخذت تقفز على درجات السلم حتى وصلت للطابق السابع، وعندما وصلت ليلى إلى شقة شقيقتها أزاحت الباب الحديد وأخرجت بسرعة مفاتيح شقة وداد التي تحتفظ بنسخة منها.

فتحت ليلى باب الشقة بسرعة، واتجهت إلى غرفة نوم وداد وسقط قلبها بين يديها وهي ترى محتويات الشقة مبعثرة، وأخذت تنادي على شقيقتها من دون رد وكان باب غرفة النوم مفتوحا، وقد هالها المشهد الذي وقعت عيناها عليه، فوداد حمدي كانت مسجّاة على وجهها فوق سريرها وكانت الملابس تغطيها ولا يبدو منها سوى قدميها.

أسرعت ليلى تزيح الملابس عن جسدها. فإذا بالدماء تغطيه فالطعنات تناثرت في أجزاء كثيرة من الجسم وكانت قد فارقت الحياة، وهنا صرخت ليلى من هول ما شاهدت، وأسرعت إلى التلفون لتطلب الشرطة واكتشفت أن الحرارة مقطوعة ثم أسرعت للجيران واستدعت رجال مباحث الأزبكية، وفي لحظات وصل رجال الشرطة وخبراء البصمات وطلبوا من الجميع ألا يلمسوا أي شيء في الشقة....

رحلة البحث عن الجانى:

امتلأ منزل وداد حمدي برجال الشرطة وانهمك الجميع في فحص مكان الحادث، وبحث رجال المعمل الجنائي عن بصمات لغرباء ومن يكون القاتل ووداد حمدي تشتهر بين جيرانها بالطيبة وهي خيّرة.

ويستمر المشهد الأخير فبعد بحث اكتشفوا بصمة مجهولة على كرسي بالصالون، وقد عثر رجال المباحث على «3» أكواب بها بقايا عصير الليمون، ورجحت الشرطة أن  القاتل تمكن من سرقة بعض الأموال السائلة التي كانت تحتفظ بها الضحية وكاسيت صغير كانت تضعه بغرفتها، وتأكد رجال المباحث من معلومة أن القاتل ليس غريبا عن وداد حمدي إذ أنها حذرة من الغرباء، وكانت تضع باب سلك بعد باب شقتها ثم باب «أكورديون» حديد ولا تفتح لأحد إلا بعد التأكد من شخصيته من خلال الديكتافون الذي كان وسيلتها في التعرف على القادمين إليها... لكن كيف حدثت الجريمة؟!

دارت الشبهات حول شخصين أحدهما من أقاربها، وكان مسجل خطر، والآخر ريجيسير يدعى متى باسليوس، لكن أختها أكدت أن «وداد» أخبرتها فى الليلة السابقة للحادث بأنها على موعد مع الريجيسير، وهو ما جعل الشبهات تدور حوله فقط أكثر من الآخر....

تضييق الخناق على متى:

علمت الشرطة أن «متى» كان مديونًا بالأموال لبعض الأشخاص منذ فترة طويلة، و حدث أنه قد سدد جزء من ديونه بعد مقتل «وداد»، كما أن عدد من الجيران قال إنهم رأوه يتخلص من سلسلة مفاتيح، عُرف فيما بعد أنها مفاتيح شقة وداد حمدي، كما تمت مطابقة بصماته لبصمة مجهولة وجدتها الشرطة في صالون «وداد»، واتضح أنها له، كما وجدوا خصلة شعر من رأسه في يدها...

اعترافات متى للنيابة بعد مواجهته بالحقائق:

قال متى في التحقيقات إنه كان قد فتح مشروعًا لبيع الأسماك لكنه فشل واستدان بسببه من كثيرين، وكان يهرب من الدائنين، فحاول تدبير المبلغ وفكر أول الأمر في الفنانة يسرا، وبالفعل ذهب إلى منزلها، لكن البواب منعه من مقابلته، فأرسل لها خطابًا يستدر به عطفها، وأعطاه للبواب الذي ذهب ثم عاد ليقول له إنها نائمة، ومن هنا قرر قتل أي فنان والحصول على أمواله، وإزاء ذلك فكر في قتل الفنان أحمد زكي، لكن لم يستطع مقابلته بفندق كان يسكن فيه، خوفًا من اكتشاف الأمن للسكين، ثم فكر في قتل شريهان، لكن الأمن كان منتشرًا بشكل كبير أمام عمارتها، ثم قرر الاستعانة بالفنان هشام سليم لمساعدته، لكنه لم يجده في منزله، فتوصل في النهاية إلى قتل الفنانة وداد حمدي، فاتصل بها وأخبرها أن لديه دور يناسبها، فحددت له موعدًا لكنه راجع نفسه وقرر عدم قتلها، لكن الديون اشتدت عليه فقرر الاتصال بها ثانية وتحديد موعد آخر وذهب إليها بالفعل، واستقبلته وأحضرت إليه عصير الليمون، واستأذنها الدخول للحمام، ثم ذهبت لإحضار «فوطة» له من غرفة النوم، فوجدته ورائه يرفع عليها سكينًا محاولًا قتلها، وحين رأت " وداد حمدى " السكين قالت له: إحنا هانهزّر؟! بلاش لعب عيال، لكن نظرات الشر في عيونه جمدت الدم في عروقها، فتوسلت إليه أن يتركها وخلعت له ساعتها وقدمت له نقودها، لكنه أزاح النقود جانبا، وقرر قتلها حتى لا تعترف عليه، فطعنها في ظهرها وسقطت على الأرض وهي تصرخ وتستعطفه، لم يشعر متى بنفسه وتوالت طعناته القاتلة في جسدها وسقطت على الأرض....

غنيمة العار الضئيلة جدا:

بعد مقتلها، لم يجد معها أموالًا سوى 270 جنيهًا، وعثر على «كاسيت» صغير، باعه فيما بعد بـ50 جنيهًا...

العقاب:

تم الحكم عليه بالإعدام وتم تنفيذ الحكم بعد بضعة سنوات.

من المفارقات حول مقتل وداد حمدى أنه فى عام 1950، أنتجت السينما فيلم "قمر 14" بطولة الفاتنة كاميليا و الفنانة وداد حمدي، وفي هذا الفيلم صُور مشهد بين كاميليا ووداد، وفيه تقول الأولى لثانية "يا رب تنضربي بالسكينة في قلبك" وتقول الثانية للأولى "يا رب تتحرقي". وتشير مصادفات الواقع إن كاميليا ماتت محترقة بالفعل في حادث انفجار طائرة في أغسطس 1950، أي بعد تمثيل المشهد الشهير بشهور قليلة. أما وداد فقد ماتت مقتولة عام 1994 على يد الريجيسير "متى باسيليوس" طعناً بالسكين، طمعا منه في مالها....