مقتل هبة ونادين

فى أواخر خريف عام 2008، كنا على موعد مع جريمة هزت الرأى العام المصرى لشهور وهى جريمة مقتل فتاتين فى أحد الكومباوندات الراقية فى مصر، وسر إثارة الرأى العام هو أن جريمة القتل أدت لمصرع فتاتين فى مقتبل الشباب وأن أسرتىّ الفتاتين كانتا من الأسر الثرية بل إن والدة إحداهما كانت فنانة عربية شهيرة، والأمر الآخر كان أن موقع الحادث هو أحد المناطق الراقية التى تتواجد عليها حراسة دائمة وإشراف أمنى متقن، وكذا فقد اكتنف هذا الحادث غموض متعلق بتعقيدات فى العلاقات الأسرية لإحدى الفتاتين، وهكذا ولكل هذه العوامل فقد كان الرأى العام يترقب كل جديد فى هذه القضية حتى توصلت الداخلية للقاتل، وقد تناولت هذه الحادثة أقلام كتاب الدراما فتم تشخيص مسلسل محوره حادثة مشابهة وهو مسلسل ( ابن الحلال) وهو من أوائل أعمال الفنان محمد رمضان والتى ساهمت فى شهرته فيما بعد ، فإلى الجريمة.....

مقتل هبة ونادين

مقتل هبة ونادين

الجريمة:

تعود وقائع القضية إلى فجر الخميس 27 نوفمبر 2008، حيث تم العثور على جثتي هبة العقاد ( ابنة الفنانة المغربية ليلى غفران)، ونادين خالد جمال الدين، في فيلا الأخيرة بمنطقة الشيخ زايد مذبوحتين ومصابتين بعدة طعنات نافذة، واكتشف رجل المعمل الجنائى أثناء رفع الآدلة الجنائية من مسرح الجريمة بمدينة الشيخ زايد، وجود قطرة دماء على ورق شجر، داخل الفيلا التى شهدت الجريمة، فتم الاحتفاظ بها وإرسالها للمعمل لتحليلها، وتبين عقب التحليل، أن تلك القطرة ليست من دماء "هبة" أو "نادين"، إذًا فهى لابد أنها تنتمى للقاتل، الذى ربما جرح وهو يحاول الهرب مسرعًا من مسرح الأحداث.

لم تكن "قطرة الدماء" وحدها كافية لتكشف عن المتهم بتنفيذ الجريمة، فهى من الممكن أن تؤكد أن هذا المتهم هو الذى ارتكب الجريمة أو تنفى ذلك، ولكنها لا يمكن أن تكشف عن هويته....

كيفية التوصل إلى القاتل؟

وقد ألقت الشرطة على شاب يدعى محمود سيد عبد الحفيظ عيساوي بعد عدة أيام من وقوع الجريمة، ووجهت له اتهامات بقتل الفتاتين، وقام التلفزيون المصري ببث صور له أثناء معاينة مسرح الجريمة وقد بدت عليه حالة من اللامبالاة الأمر الذي أثار شكوكًا قوية حول ما إذا كان هو بالفعل الجاني.

وقامت الداخلية بالكشف بأنه بينما كانت الأوضاع هادئة داخل حى الندى بمدينة الشيخ زايد، تسلل محمود العيسوى إلى الفيلا التى تقطن فيها الفتاتان؛ للسرقة وبحوزته سكين كان قد احتفظ بها لمقاومة من يحاول الإمساك به، ولكن تلك السكين هى التى قادته إلى حبل المشنقة، بعدما قتل الفتاتين خشية افتضاح أمره.

 ورغم تضارب أقوال محمود العيسوى فى التحقيقات واعترافه تارة بقتل الفتاتين وإنكاره تارة أخرى، وإدعائه بأنه سبق وأن اعترف على نفسه بجريمتى القتل والسرقة تحت وطأة الضرب والتعذيب، كان هناك دلائل كافية لتشير بأصابع الاتهام نحوه، وتضع حدًا للشائعات التى ترددت فى تلك الفترة، والتى اتجهت نحو برأته وعدم معقولية ارتكابه الجريمة؛ وهى ما أطمأنت إليه أجهزة الأمن وجهات التحقيق والقضاء فى تعاملهم مع القضية.

فكان الخيط الثانى هو المرشد الذى أوصل أجهزة الأمن لـ"محمود العيسوى" الذى ارتكب خطأ فادحًا، دفعه إليه جهله وجعله يسقط فى يد أجهزة الأمن.

عقب انتهاء "العيسوى" من تنفيذ جريمته سرق هاتف "نادين" وباعه لصديقه محمد ضرغام، وكان ذلك كفيلًا بإيقاعه، فعقب تتبع الهاتف توصلت أجهزة الأمن لمكانه، وتمكنت من التوصل لـ"ضرغام" وبسؤاله عن هوية البائع، أخبره بأنه اشتره من صديقه "العيسوى"، ألقت أجهزة الأمن عليه وبسحب عينة من دمائه ومقارنتها بنقطة الدماء التى تم تحليلها سابقةً تبين تطابقهما، وكان ذلك دليل كافً لإدانته.

ومحمود العيساوى هو شاب يبلغ من العمر 20 سنة فقط، من القاهرة، وكان يعمل في ورشة حدادة، فيما قرر التوجه إلى سرقة المنطقة التي يعمل بها "حي الندى"؛ بسبب ظروفه المادية الصعبة كونه كان مقبلا على الزواج.

ووفق التحريات آنذاك، فإن محمود عيساوي، قد اشترى سكينا حادة من محل في السبتية في القاهرة، ثم استقل مركبة أي سيارة في منطقة "القللي"، نحو أكتوبر، قبل أن يطلب من سائق المركبة أن ينزل بالقرب من "هايبر 1" عند منطقة الشيخ زايد.

وواصل الشاب القاتل مسيرة مشيا على الأقدام حتى وصل إلى حي الندى، ثم قفز عن السور من على شجرة، ليصبح في مقابلة الشقة التي كانت تقطن فيها هبة العقاد وصديقتها نادين.

واستمر القاتل عيساوي في المشي على أقدامه ثم تسلق مواسير الصرف الصحي التي تقود إلى الشقة التي تسكن فيها الضحية، ثم دخل الشقة وبدأ يتربص بالسكان كي يقوم بفعلته ويفر هاربا.

تداخلات وألغاز فى القضية:

ما زاد هذه الحادثة تعقيدا هو وجود صراعات جانبية بين الفنانة ليلي غفران والدة المجني عليها هبة وبين زوج المجني عليها علي عصام الدين والاتهامات التي وجهتها له بالاتفاق والمساعدة للمتهم الرئيسي علي ارتكاب الجريمة والتي بدأت في غضون إجراء النيابة لتحقيقاتها وعادت من جديد أثناء جلسات إعادة المحاكمة لكن الغريب هو توقيت توجيه الطلب للمحكمة بضم علي عصام الدين إلي قائمة الاتهام الذي قدمة المحامي الخاص بها حسن أبوالعنين، وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا في هذا التوقيت بالذات تم اتهام زوج هبة؟ وماذا لو كانت محكمة النقض قد أيدت الحكم بالإعدام علي العيساوي وأقفل ملف القضية؟

 والقضية فيها كمية من التناقضات تزيد الموقف غموضاً ومنها ما ورد في اعترافات المتهم بأنه صعد للشقة في الثانية عشرة صباح يوم الجريمة وأنه اختبأ خلف الستارة لمدة ساعة ونصف حتي شعر أن الفتاتين قد خلدتا إلي النوم وبعدها دخل إلي الغرفة، في الوقت الذي أكد فيه علي عصام الدين زوج هبة أنه تلقي منها اتصالاً هاتفياً في الساعة 5 و40 دقيقة صباحاً أي بعد أكثر من 3 ساعات من وقوع الجريمة فكيف للمجني عليها أن تظل هذه المدة دون أن تفكر في الاتصال بشخص ينجدها، وأيضاً أقوال علي نفسه في التحقيقات أنه وجد الهاتف المحمول الخاص بها علي صدرها بعد دخوله إلي الشقة، أي أن هذا الهاتف كان موجوداً وقت قيام المتهم بالسرقة وتركه للمجني عليها علي سبيل الشفقة!!

الأمر الآخر أن التحقيقات أثبتت من أقوال أدهم - صديق نادين - أنه كان موجودًا حتي الثانية من صباح يوم الحادث وغادر بعد أن اتصلت به والدته وطلبت منه العودة إلي المنزل - وهو ما ذكره أمام المحكمة في جلسة الخميس الماضي - وأن نادين اتصلت به في الرابعة أي بعد مغادرته بساعتين اطمأنت عليه وأخبرته أنها ذاهبة للنوم، أي أن الجريمة وقعت بعد ذلك التوقيت.

وما يزيد من اقتراب علي عصام الدين - زوج هبة - من دائرة الاتهام هو أيضاً أدهم الذي أقر في التحقيقات أنه تعرف عليه عند نادين وذهب معه عدة مرات إلي هناك، أي أنه يؤكد أن علي لم يكن يجهل مكان الشقة الخاصة بنادين لأنه تردد عليها عدة مرات لمقابلة زوجته هبة، وهو ما يشكك في سبب إجراء علي لمكالمة تليفونية بصديقة المجني عليهما رنا عند علمه بالجريمة لسؤالها عن مكان شقة نادين، وأيضاً التأني الذي يصوره من خلال أقواله بأنه ذهب في البداية لفرد الأمن أسامة وأخبره أن هناك جريمة داخل الحي وطلب منه الذهاب معه إلي شقة محل الجريمة.

النقطة الأخري التي بدرت منه في شهادته أمام المحكمة أنه قال إن: هبة حينما استأذنته للمبيت عند نادين سألها إذا كانت حصلت علي موافقة والدتها من عدمه وهو ما علقت عليه المحكمة بأنه زوجها فكيف يسألها عن إذن والدتها… فرد أنه نوع من الاحترام، هذا بالإضافة إلي المسافة الطويلة التي قطعها من منزله إلي مكان الجريمة في مدة قصيرة معللا ذلك بأن إمكانيات سيارته تسمح بذلك وأنه كان يقودها بأقصي سرعة، وارتباكه وتناقض كلامه أثناء الإدلاء بشهادته وهو ما جعل المستشار محمد عبدالرحيم - رئيس محكمة الجنايات - إلي تنبيهه وطلب منه التركيز في أقواله لأن كلامه مأخوذ عليه في نهاية الجلسات وذكره بأن يواجه اتهاما من أسرة زوجته المجني عليها.

أيضاً تجاهل علي لسؤال زوجته المجني عليها هبة أثناء توصيلها إلي المستشفي عن هوية القاتل في الوقت الذي أكد أنها كانت تستطيع الكلام وأنها هي التي أشارت عليه بتوصيلها إلي مستشفي دار الفؤاد بدلاً من مستشفي زايد التخصصي بعدما سمعت حواره مع فرد الأمن أسامة وهو ما يدلل علي تناقض موقفه وعدم منطقية كلامه، خاصة وأن أول شيء يتطرق إلي ذهن من في موقفه أن يقوم بسؤال المجني عليها بمن فعل ذلك بها أو حتي أوصافه في حالة عدم معرفتها به، هذا بالإضافة إلي عدم التطرق إلي صاحب السيارة المجهولة التي أقر أسامة فرد الأمن أنها دخلت إلي الحي وبها هبة ونادين وأيضاً رنا صديقتها، والتوصل إلي صاحب هذه السيارة قد يفيد في سير القضية لأن من كان يقودها لابد أنه هو آخر من رأي الفتاتين قبل مقتلهما.

يبقي اللغز المحير في القضية وهو بسبب توجيه ليلي غفران الاتهام لزوج ابنتها المقتولة في البداية ثم تراجعها عن هذا الاتهام وعودتها مرة أخري لتتهمه أمام المحكمة والرأي العام بالمساعدة على قتل نجلتها وصديقتها لتضعه في النهاية في موقف لا يحسد عليه، خاصة بعد اعترافه بأنه قدم جواز سفر هبة البريطاني إلي السفارة ومعه صورة من قسيمة الزواج للحصول علي مبلغ التأمين من لندن.

العقاب:

بعد انتهاء التحقيقات فى القضية وإحالة المتهم إلى محكمة الجنايات، قضت المحكمة بإعدامه ، ولكن فى أبريل 2012 تقدم أحمد جمعة شحاتة، دفاع المتهم محمود العيساوى، المتهم بقتل الطالبتين هبة ونادين والمحكوم عليه بالإعدام، بالتماس إلى المشير محمد حسين طنطاوى، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، يطالب بوقف تنفيذ الحكم على موكله لعدة أسباب، وهى أن القضية ملفقة، وتم الزج بهذا المحكوم عليه دون أن يكون له أى دور أو صلة بالقضية المحكوم عليه فيها، وأنه لا يمكن لشاب فى سن 18 سنة أن يقتل فتاتين فى مكان واحد ولأنه أيضًا لا يمكن لفرد بمفرده أن يقطع رقبة إحدى المجنى عليهما، كما جاء بتقرير الطب الشرعى "ذبح عنقى" أى أن السكين مرت ذهاباً وإياباً على رقبتها ثم يقوم بعد ذلك بقطع جزء من لسانها.

وقال محاميه إن السبب الذى جاء بالأوراق أنه دخل بقصد السرقة وسرق 200 جنيه فى حين أن والدة المجنى عليها، صاحبة الشقة، قالت إنه لم يسرق شيئاً من الشقة وإن المجوهرات بحوالى 150 ألف جنيه كانت موجودة بحجرة النوم تحت نظر من يدخل إلى الغرفة مباشرة.

كما أن أوراق القضية تحوى الكثير والأهم هو أن الرأى العام المصرى والعربى كله لم يقتنع بهذا المحكوم عليه أنه مرتكب الحادث، إن الدفاع تقدم متطوعاً للدفاع عنه للتأكد من أن هذا المحكوم عليه لم يرتكب هذا الحادث نهائياً، لذلك أطلب الفصل فى هذا الالتماس قبل تنفيذ الحكم.

وطلب من رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة تكليف أى جهة فى القضية بخلاف وزارة الداخلية لعمل قياس الرأى العام بخصوص تلك الواقعة، كما طلب أن تعرض تلك القضية على بعض السادة المستشارين من رجال القضاء العسكرى لأخذ رأيهم.

وأوضح محامى العيساوى أن ما يتردد فى الشارع المصرى عن مرتكب تلك الجريمة، وما نشر على صفحات الإنترنت بأن قاتل ابنة الفنانة ليلى غفران وزميلتها هو ابن أحد المسئولين السابقين، وطالب بوقف تنفيذ الحكم وإعادة التحقيقات فى تلك القضية أمام القضاء العسكرى، وهو ما سيكون له أثر إيجابى لدى الرأى العام المصرى والعربى المتعاطف مع هذا المحكوم عليه.

 وفى 20 يونيو 2014، كان على موعد مع "عشماوى" ونفذ فيه حكم الإعدام، لتطوى تلك الصفحة، التى شغلت الرأى العام.

وقت تنفيذ الإعدام:

كشف مصدر أمنى أن عددا من المستشارين بالنيابة العامة توجهوا إلى سجن الاستئناف صباح يوم الخميس 20 يونيو 2014، لحضور تنفيذ الحكم وتواجد معهم أحد المشايخ من وزارة الأوقاف لتلقين المتهم الشهادتين، وآخر كلماته قبيل تنفيذ الحكم، وتم تنفيذ حكم الإعدام على قاتل هبة ونادين ابنة الفنانة ليلى غفران وصديقتها بحضور مأمور السجن وعدد من القيادات الأمنية.

وأوضحت المصادر صباح اليوم، تم إخراج المتهم محمود عيساوى من زنزانته بواسطة 2 من رجال الأمن، وهو منهار تماماً ويردد "أنا مظلوم يا ناس"، وتواجد أمامه كل من مأمور السجن وشيخ وزارة الأوقاف ورجال النيابة العامة قبل دخوله لغرفة تنفيذ حكم الإعدام، وسأله الشيخ: "هل تطلب شيئاً قبل أن تموت ياعيساوى؟"، فلم يرد المتهم وظل وجهه منكسراً وينظر أرضاً وهو فى حالة نفسية يرثى لها.

وشدد المصدر على أن رجل الدين المكلف من وزارة الأوقاف لقنه الشهادتين، وقال له قل: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله"، فرددها المتهم محمود عيساوى بنبرات يتخللها الارتجاف والخوف قبيل دخوله لتنفيذ الإعدام فيه، واقتاده رجال الأمن إلى حبل المشنقة، وتم تنفيذ الحكم عليه وأعدم شنقاً.

مسلسل ابن حلال والجريمة:

قبل تنفيذ الإعدام على عيساوى، تم عمل مسلسل ( ابن حلال) محوره هذه الحادثة ولزوم عدم مواجهة التقاضى فقد أشار صانعو المسلسل إلى أن أية تشابه مع أحداث مماثلة فى الواقع فهو غير مقصود!!!! ولكن بالطبع كان جميع المشاهدين يشعرون أنها التجسيد لهذه الحادثة .

وقد جاء المسلسل ليتبنى وجهة النظر التى ترى أن المتهم ليس الشخص الفقير وإنما شخص أو أشخاص من ذوى نفوذ، إذ جعل من شخصية البطل ( حبيشة/ محمد رمضان) متورطا دون قصد فى جريمة القتل دون أن  يكون مرتكبها بل من قام بها فعليا هو زوج القتيلة عرفيا وهو ابن مسئول كبير فى الدولة والذى أراد – مستعينا بسلطته وبطانته- إلصاق وتثبيت التهمة على الفقير حبيشة حتى لا يتورط ابنه فيها مما يدفع فى النهاية حبيشة للإنتقام منهم ....