محمد فوزى ( الموهوب ضحية لعبة السياسة)

مطربٌ وملحنٌ ومنتجٌ وممثلٌ مصرى من أشهرِ المطربين والملحنين المصريين في القرن العشرين. لحّن لأشهرِ مطربي زمنه، وتركَ بصمته الخاصة في الأغنيةِ العربيةِ ، من أشهر أغانيه (بلدي أحببتك يا بلدي) وكذا ( شحات الغرام) وكان رائدا فى الغناء للأطفال بأغانى ما تزال رائعة إلى الآن مثل (ماما زمنها جايه)، و(ذهب الليل)، وهو من قام بتلحين السلام الوطنى الخاص بدولة الجزائر الشقيقة، وهو أول من قدم أغنية فرانكو آرب "يا مصطفى يا مصطفى" وقد أداها شقيق الفنانة داليدا وبوب عزام عام 1961، كما تُرجمت إلى لعديد من اللغات. أسّس محمد فوزى أولَ مصنع أسطواناتٍ موسيقيةٍ في الشرق الأوسط (مصر فون)، واستطاعَ كذلك التربع على عرشِ السينما الغنائية والاستعراضية طيلة الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. . أدى محمد فوزى دور البطولة في 36 فيلما أنتج منها 18 فيلما. وبلغ عدد الأفلام التي أنتجها ولم يمثل فيها 47 فيلما. وفي الأعمال الموسيقية الغنائية، لحن لنفسه 239 عملا، بينما لحن 36 عملا لمطربين آخرين، و116 أغنية لمطربات. وغنى فوزى ثلاث أغنيات فقط لملحنين آخرين. عام 1958 أسس فوزي شركة "مصر فون" لإنتاج الأسطوانات الموسيقية، وأنتج فيها أغانى لكبار الفنانين أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وغيرهما.

محمد فوزى ( الموهوب ضحية لعبة السياسة)

محمد فوزى ( الموهوب ضحية لعبة السياسة)

البداية:

وُلد محمد فوزي عبد العال حبس الحاو في 28 أغسطس 1918 في قرية كفر أبو جندي التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية. هو الابن الحادي والعشرون من أصل 25 ابنًا لوالديه، منهم المطربة هدى سلطان.

تخرج من المدرسة الإبتدائية في طنطا، وبدأت حينها ميوله للموسيقى و الغناء، حيث تعلم أصول الموسيقى من رجل الإطفاء محمد خربطلى، ثم انتسب لمعهد فؤاد الأول للموسيقى، لكن سرعان ما غادره. بعد ذلك اتجه للعمل في الملهى الليلي لبديعة مصابني طمعًا بالأجر العالي، فكوّن العديد من الصداقات مع شخصيات مثل محمد عبد الوهاب ومحمود الشريف وتعاون معهم في تلحين الأغاني للكثير من الاسكتشات والعروض المسرحية. وقد سارع فوزى بالتقدم إلى امتحان إذاعة مصر كملحنٍ ومطرب، حيث فشل في الغناء و نجح في التلحين.

عرضت عليه الممثلة فاطمة رشدى العمل في فرقتها إيمانًا منها بموهبته، ثم طلبه الممثل يوسف وهبي ليشارك في فيلم سيف الجلاد عام 1944 وكانت تلك أولى خطواته نحو الشهرة والنجاح.

كان الغناء شغله الشاغل ممّا دفعه لإعادة إحياء أعمال سيد درويش مع الفرقة المسرحية المصرية ولعب دور المغنى في مسرحية شهرزاد لسيد درويش، إلاّ أنّه لم يحقق نجاحًا في العرض الأول.

حياة محمد فوزي الشخصية:

تزوج محمد فوزي عام 1943 من زوجته الأولى السيدة هداية وأنجب منها ثلاثة صبية هم نبيل وسمير ومنير. انفصل عنها عام 1952، وبنفس العام تزوج بالفنانة مديحة يسرى وأنجب منها طفل اسمه عمرو ثم انفصل عنها عام 1959. أما زواجه الثالث فكان عام 1960 من السيدة كريمة وأنجب منها ابنته إيمان.

عارض محمد فوزي في البداية فكرة دخول شقيقته الفنانة هدى سلطان إلى عالم الفن حتى قيل إنه هددها بالقتل، وفي تسجيل نادر لها روت سلطان أن معارضته لم تكن لشىء سوى خوف منه عليها من هذا الوسط، مشيرة إلى أنها كانت تعتبر فوزي صديقاً تخبره بأدق أسرارها ، حتى أنها اعتبرته أبا لها بسبب فقدانها والدها في سن مبكرة.

أنجبت مديحة يسري لمحمد فوزي مرتين، الأولى "وفاء" بعد ثلاثة أعوام من الزواج، ولكن الطفلة ولدت غير مكتملة النمو وتوفيت، ثم أنجبت له "عمرو" الذي تخرج في كلية السياحة والفنادق وأصبح بطل مصر في الكاراتيه قبل أن يغيبه الموت هو الآخر في السابعة والعشرين من عمره عام 1982.

ذكاؤه الفنى والتجارى:

تقول عنه الفنانة مديحة يسرى: "هو كان ذكي جدا في شغله، وعنده لمحات تجارية بدليل أنه أنشئ أول مصنع أسطوانات في مصر، وقبله جاب معدات من هولندا لتسجيل الأسطوانات نفسها، عمل المصنع لما لقى أن في فلوس كتيرة بتخرج من البلد بسبب أن الأسطوانات كانت بتتعمل في الخارج، ففكر في إنشاء مصنع عشان متخرجش عملة صعبة بره مصر، وقد نافس مصنع فوزي للأسطوانات الشركات الأجنبية الكبرى في مصر، فقد باع الأسطوانة ب35 قرشًا في حين كانت تلك الشركات تبيعها ب 90 قرشًا.

أضافت: " فوزى كذلك كان هو أول فنان عمل أفلام ملونة من خلال فيلمي (الحب في خطر) مع صباح، و(نهاية قصة) معايا عام 1951، وحط في الفيلمين رأس مال كبير جدا، وكمان كان عنده حاسة التأليف، وألّف فيلم (من أين لك هذا) عام 1952 مع السيناريست على الزرقاني، وألّف الفيلم ده وهو عنده التهاب رئوي، قالى وهو ممنوع من الحركة: أنا عايز أتسلى في حاجة هاتي ورقة وقلم، وابتدي يكتب الفيلم وهو يشرب الدواء، وخرج العمل للنور وكان الفيلم من أنجح أفلامه".

تابعت: " الأغنية عنده كانت لازم تكون متداخلة في الفيلم، مكنش بيغني في أعماله لمجرد أنه يغني أو يقدم استعراض، يقدم الأغنية والاستعراض والرقص كجزء من الفيلم، مش تكون الأغنية دخيلة على العمل، فوزي مفيش مطربة لم تغني من ألحانه، لما كان بيجيله خاطر لحن وهو سايق كان بيسرح ويتوهنا وندخل شوارع غلط، ولما ندخل ننام بعد شوية ألاقيه ولع النور وبيدندن، أقوله: الوحي جه؟ يقولي أيوه، وفي أوقات وإحنا خارجين يرجعنا بسبب أنه عايز يسجل حاجة على البيانو ويبوظ الخروجة عشان شغله".

أغنيته الرائعة طير بينا يا قلبى

المحنة فى حياته:

عاش محمد فوزى غير محب للسياسة لكنه بالرغم من ذلك قد انكوى بنارها.  هو كان محبا فقط لبلده ومصلحة هذا البلد، ولذلك آمن بثورة يوليو حتى لو لم تؤمن به هذه الثورة وساند مشاريعها وتوجهاتها حتى لو لم يلق المساندة من قادتها. ورغم من أنه لم يكن حتى من هواة الكلام في السياسة، فإنها أحرقته، ولم يدرك ذلك إلا متأخرا، فرجال نظام عبد الناصر انتقموا من فوزى لا لشيء سوى لصداقته مع اللواء محمد نجيب الذي اعتبره أنصار جمال عبد ناصر في مجلس قيادة ثورة 23 يوليو عام 1952 في مصر خصما ينازع ناصر الحكم والزعامة. أى أن علاقة فوزى مع نجيب كانت سبب المشكلة بين فوزي ونظام عبد الناصر.

فوزى ونجيب وصداقة أضرت به

لا يبدو أن فوزى- تحديدا - قد قرأ المشهد السياسي جيدا، فهو لم يدرك لا موازين القوى في اللحظة التالية لقيام الثورة، ولا إلى أين تتجه هذه الموازين في المستقبل القريب، فراح يدفع نفسه إلى مقدمة الصورة في كل المشاريع القومية التي قادها محمد نجيب، فلو كان فوزي قد أدرك جيدا المشهد، كما فعلت أم كلثوم، لربما كان قد تجنب كثيرا مما وقع له لاحقا.

ولأنه لم يدرك المشهد أو ربما لم يكن يعبأ، فإنه ظل على تأييده للواء نجيب، كما نشأت علاقة متينة بينهما بسبب  اقتناع فوزي بالعهد الجديد ورموزه والالتحام بالمشاريع الوطنية الأولى التى نادى بها ودعمها نجيب. ورغم أن فوزي لم يكن حتى من هواة الحديث فى السياسة، فإنه لم يتخلف مرة عن اللقاءات التي كان يجريها اللواء محمد نجيب مع رجال الفن. فى نفس ذلك الوقت كانت أم كلثوم ومعها محمد عبد الوهاب، ثم عبد الحليم حافظ لاحقا، أكثر قراءة للمشهد السياسي واستغلالا لنفوذهم واتصالاتهم السياسية لحماية مصالحهم بعد زوال الملكية وإعلان الجمهورية ، وهكذا وبسبب ذلك ظل عبد الناصر حتى رحيله عام 1970، هو الغطاء السياسي الذى وفر الحماية والنفوذ لكلا من كوكب الشرق ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ.

فى عام 1961 مارس نظام عبد الناصر تضييقا واضحا على فوزي، وأحد أهم مظاهر هذا التضييق هو فرض الحراسة على موزع أفلامه الوحيد في الداخل (وهو) شركة منتخبات بهنا فيلم - بهنا إخوان- بمقريها في القاهرة والإسكندرية. وقد كان ذلك بمثابة سابقة لم تعرفها الحياة الفنية في مصر من قبل أو من بعد. وأدى إلى أن غُلت يدا محمد فوزي داخليا وخارجيا في تمويل وتوزيع أفلامه بخلاف المبالغ المالية التي كان قد تكبدها في التجهيز لهذه الأفلام.

السيد بازيل بهنا ( الوريث الوحيد لعائلة بهنا والمقيم حاليا بالإسكندرية) يقول:" إن أفراد العائلة لم يستبعدوا - في حينه - أن يكون المقصود بفرض الحراسة على بهنا فيلم هو محمد فوزي نفسه لأنه كان حدثا فريدا وتزامن مع ما وقع بشكل مباشر لمشاريع وممتلكات محمد فوزي . وقد استولت الدولة على شركة مصر فون لصاحبها محمد فوزي دون شركة صوت الفن لصاحبيها عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ لتبقى صوت الفن وحدها تقريبا بلا منافس في سوق الإنتاج الغنائي بعد أن أجبر المشاغب الأول محمد فوزي على الانسحاب من الساحة.

ولم تقف ملاحقة فوزي عند هذا الحد، بل امتدت إلى الطعن في فنه، فكانت إثارة حالة من الكراهية بين السينمائيين تجاه فوزي لدرجة بلغت التقليل من موهبته والتحريض عليه  مظهرا آخر للاضطهاد من جانب النظام، ومثال على ذلك رسالة "مفجعة" بعث بها المخرج حسين فوزي (الذي لا علاقة قرابة له بمحمد فوزي) سنة 1959 إلى شركة بهنا فيلم يصف فيها محمد فوزي بأنه " فاشل ومحدود الموهبة"!!!

لا يشفع له شئ عند نظام عبد الناصر:

أنه رغم علاقة فوزي القوية بنجيب، فإنه لم يتوقف عن الغناء للثورة لا للأشخاص بعد عزل نجيب. ولم يترك حدثا وطنيا كبيرا إلا وغنى له... كذلك تغنى بالاشتراكية والعدالة وحقوق العمال وبكل مكاسب الثورة المصرية في أكثر من أغنية وطنية.

فوزى وعبد الناصر وكراهية غير معروفة السبب

لم يغفل فوزي في غنائه التوجه القومي الذى انتهجه عبد الناصر ، فغنى للكثير من الدول العربية : لوحدة مصر والسودان غنى مثلا ، "يا وادى النيل يا غالي" ، وللعراق غنى " تحية يا ابنة الرشيد ، ولثورة اليمن أنشد " الشعب لازم ينتصر " ولمشروع الوحدة بين مصر وسوريا والعراق سنة 1963 غنى " علم الثوار" ، وحتى لأفريقيا غنى " أفريقيا شعبك حر".

أكثر من ذلك، ساهم فوزي في جمع التبرعات لدعم مشروعات ناصر الداخلية ، وتزعم محمد فوزي- أثناء رئاسته لجمعية المؤلفين والملحنين- حملة لجمع التبرعات من جانب أعضاء الجمعية لصالح إعادة إعمار مدينة بور سعيد بعد العدوان الثلاثي سنة 1956 . وقام مع وفد الجمعية بتسليم الرئيس عبد الناصر شخصيا هذه التبرعات في اللقاء الوحيد تقريبا الذى جمعه بالرئيس المصرى، دون أن يتوقف عن المشاركة بالغناء في الحفلات العامة التي ترتبط بمناسبات رسمية. ما سبق يضع علامات استفهام عن علاقة عبد الناصر شخصيا بمعاناة الفنان المحبوب، والسؤال الذى يطرح نفسه هل لم يكن عبد الناصر يعرف بالإيذاء والضرر الواقعين على فوزي أم كان ولاء فوزي لخصمه اللواء محمد نجيب ما زال ماثلا في ذهنه؟ هل حِيلَ بين صوت فوزى وبين الرئيس على أعتاب مكتبه الذى كان يديره السيد سامى شرف الذى سبق وطلب يد السيدة كريمة (زوجة فوزي الثالثة) قبل زواجها من محمد فوزى ؟

اضطهاد النظام لمحمد فوزى و تأميم ممتلكاته تسببا بمرضه، وتقول زوجته كريمة في مقابلة صحفية: " إنه بعد التأميم  لم يعد فوزى هو ذلك الرجل الذي تعرفه. فقد دخل فى حالة اكتئاب دائم حتى وإن حاولت روحه المرحة التغلب على ذلك الاكتئاب . وبدأ ينعكس هذا على حالته الصحية وشهيته للطعام. ومن ثم دخوله فى دوامة المرض اللعين (السرطان). وسافر إلى لندن عام 1965 ثم عاد إلى مصر، ثم سافر إلى ألمانيا دون أن يلقى تحسنًا في حالته ، وظل جسمه بسبب المرض يتضائل حتى أصبح في وزن الأطفال!!!"

كان وزنه يتضاءل بسبب المرض

تعنت نظام عبد الناصر فى علاح فوزى:

تروى الفنانة الراحلة تحية كاريوكا  رواية ملخصها أنها تلقت تهديدات صريحة من شعراوي جمعة ( وزير داخلية نظام عبد الناصر)، بأن تكف عن الكلام في موضوع علاج فوزي ومطالبتها المستمرة للدولة بأن تتحمل النفقات. وكذا أم كلثوم قد تدخلت- حسب رواية تحية- لدى عبد الناصر وأقنعته- رغم محاولات سامي شرف قطع الطريق عليها- بإصدار قرار بسفر فوزي للعلاج بأمريكا. وصدر القرار في 9 ديسمبر عام 1965 أى بعد نحو أربع سنوات من بداية خطوات تأميم كل ممتلكات محمد فوزى ودخوله في دوامة المرض.

الوفاة:

وبعد نحو 11 شهرا  من السعى فى علاجه على نفقة الدولة، وفى يوم 21 أكتوبر 1966 توفي الفنان ذو الشعبية الكبيرة عن 48 عاما، وشارك عشرات الألوف في الجنازة، والمدهش أن د . عبد القادر حاتم ( وزير الإرشاد القومي في ذلك الوقت) الذى ماطل طويلا في علاج محمد فوزي على نفقة الدولة كان على رأس المشيعين!!!!

الفيديو الموثق: