ليلة إعدام آخر قياصرة روسيا

لا شك أن الثورات تقوم كرد فعل شعبى على الإستبداد ووجود الفساد والتمييز بين الطبقات وإختلال فهم أولويات المجتمع وإنتشار البطالة وغير ذلك من الأمور، وقادة أية ثورة يكونون بين عدة بدائل للقيام بها عقب نجاح ثورتهم تندرج من مجرد نفى رأس السلطة وبطانته إلى محاكمتهم ومن ثم سجنهم وقد تصل بهم الرغبة إلى إعدامهم، وفى هذه الأخيرة قد يوصمون ثورتهم بالدموية وقد يجر هذا البلاد إلى أتون الفعل ورد الفعل، و عندما قامت الثورة البلشفية فى روسيا آثرت النهج الأخير، فكان إعدام أسرة القيصر ( آل رومانوف) فى 17 يوليو 1918، فإلى المقال......

ليلة إعدام آخر قياصرة روسيا

ليلة إعدام آخر قياصرة روسيا 

في السابع عشر من يوليو 1918، تم إعدام  آخر قياصرة روسيا (قبل الثورة البلشفية ) وهو نيقولاى الثانى مع أفراد عائلته ومرافقيه، وتم ذلك بطريقة وحشية حيث قامت حفنة من الجنود بإطلاق الرصاص على رؤوسهم من مسافة قريبة  ثم قاموا بالتمثيل بجثة القيصر وزوجته.

 نيقولاى الثانى:

ولد ( نيقولاى ألكسندروفيتش رومانوف) في 8 مايو 1868 بمدينة سانت بطرسبرج، وهو آخر أباطرة روسيا، وملك بولندا (اسميًا )، والدوق الأكبر لفنلندا، واستمر حكمه لروسيا من 1 نوفمبر 1894 عند وفاة والده الإمبراطور ألكسندر الثالث، وحتى 15 مارس 1917 حين اضطر للتنازل عن العرش لأخيه الدوق الأكبر ميخائيل ألكسندروفيتش.

تميزت فترة تولى نيقولاى الثانى بالتطور الاقتصادى في روسيا، في نفس الوقت الذى زادت فيه كذلك التناقضات الاجتماعية والسياسية مما تسبب فى تواجد الحركة الثورية التى أشعلت ثورة 1905-1907 ثم ثورة 1917.

أما في السياسة الخارجية، فقد تميزت إدارة نيقولاى الثاني بالتوسع في الشرق الأقصى، والحرب مع اليابان، إلا أن روسيا تعرضت فى عهده إلى هزيمة منكرة حين دمر اليابانيون الأسطول الروسى  مما أثار فى البلاد انتفاضة قوية ذات صبغة شيوعية .

قام نيقولاى بعدة إصلاحات عبر المجلس التشريعى الدوما (البرلمان الروسي) ، فضلًا عن مشاركة روسيا فى الكتل العسكرية للقوى الأوروبية، ولكنه فى عام 1914م أدخل روسيا في الحرب العالمية الأولى رغم أن البلاد لم تكن مهيأة لذلك ، فتعرض للكثير من الهزائم ، وقد قتل فى هذه الحرب حوالى 3300000 روسى.

 وبسبب الغضب من ذلك، قامت الطبقات الوسطى مدعومة بمجموعات إصلاحية عديدة بالمطالبة بتغيير الحكم ، فتنازل نيقولاى الثانى عن العرش بعد قيام ثورة فبراير 1917 وتم وضعه مع أسرته قيد الإقامة الجبرية في قصر تسارسكوى سيلو.

عن الإعدام:

البلاشفة كانوا قد قرروا في البداية إعدام القيصر وحده، وجرت نقاشات طويلة، ويُقال إن ليف تروتسكي (1849-1940) رغب بتقديم القيصر إلى المحاكمة، ولكن القائد فلاديمير لينين رفض الفكرة خوفاً من التأييد والتعاطف الشعبي مع القيصر وعائلته، والبلاد لا تزال فى حال كر وفر. فأتى القرار بإعدام القيصر وأسرته جميعهم. ويظهر أن تروتسكى فيما بعد صار مقتنعاً بهذا القرار، حيث برر أن إعدام أسرة القيصر ليس ضروريًا لإرهاب العدو فحسبّ، بل أيضا مهما لإقناع الشعب والمؤيدين بأنه لا عودة أبدا إلى الخلف، فإما النصر الكامل أو الهزيمة الكاملة. وبذلك تقرّر المصير المحتوم لأسرة القيصر، ويُقال إنّ قائد فرقة الإعدام يورفسكى، كان قد تلقى قرار موسكو بتنفيذ العملية فى 13 يوليو، وتطلب إعداد العدة لها ثلاث أيام.

وصف ليلة الإعدام:

عند الثانية من فجر 17 يوليو 1918، أيقظ يوروفسكى القيصر وأسرته ومرافقيه، و تم إنزالهم إلى الطابق الأرضى من المنزل فى انتظار آليّة نقل. وبعد ذاك اقتادهم إلى غرفة خالية من الأثاث فى قبو المنزل، وكان نيقولاى الثانى يحمل على ذراعيه إبنه المريض ألكسى (14 عاماً) وتوجّه يورفسكي بحديثه إلى القيصر، شارحاً له أنه تسرى شائعات حول إعدام البلاشفة له، لذلك سوف تقف الأسرة بجميع أفرادها مع المرافقين كى تؤخذ لها صورة فوتوغرافيّة تدحض تلك الشائعات!!!!

حينذاك اعترضت زوجة القيصر ألكسندرا فيودوروفنا على عدم وجود مقاعد فى الغرفة، فأتى الجنود بمقعدين حيث أجلس نيقولاى الثانى إبنه ألكسى على أحدهما.

ووفق إحدى الروايات، أمر يوروفسكي بلطف واحترام كل واحد من أعضاء الأسرة بالوقوف فى وضعية ملائمة للصورة، وأن يتقدّم القيصر خطوتين إلى الأمام، قبل أن يتلو البرقية المرسلة إليه من موسكو ويصدر أمره إلى فرقة الإعدام.

انتفض القيصر محتجا بعد سماعه نص البرقية ، وصاح فى وجه يوروفسكي قائلا "ماذا؟ ماذا؟"، لكن إطلاق النار كان قد بدأ، وكان هو أول من عاجلته طلقة فى رأسه، وتكفّلت بقية الطلقات بإصابة بناته الأميرات وزوجته وإبنه ألكسى والطبيب والطّباخ والمدبرة المنزلية والمرافق الشخصي.

ويظهر أن الوابل الأول من الطلقات لم يكن كافيا لقتل الأميرات، وقيل إن السبب فى ذلك هو طريقة حياكة القسم العلوى ذى الطبقتين من فساتينهّن، حيث كانت الرصاصات تجرحهن ولا تقتلهن، إلا أنهن كنّ متجمدات من الرعب، فكان على فرقة الإعدام أن تقتلهن واحدة تلو أخرى، بالإضافة إلى ألكسى الذى كان يئن جريحاً على الأرض.

مشهد من فيلم لعملية الإعدام

أسطورة شخصية أناستاسيا:

بعد ذلك، قيل إنّ الجنود جرّدوا الجثث من ملابسها ومثّلوا بها وقطّعوها قبل إحراقها، وقيل إن إحدى بنات القيصر (ماريا أو أناستاسيا) نجت من المجزرة، وحيكت أساطير كثيرة حول تلك الجزئية، ولكن كشفت السجلات السوفيتية عام 1992، أنه لم ينج أحد من الإعدام. وقد انتشرت الأخبار في جميع أنحاء روسيا حول المجزرة، وفتح ذلك الباب بعدها  للقيام بإعدامات فردية تالية لأفراد من سلالة رومانوف وأقربائهم ممن لم يستطيعوا الفرار بحياتهم إلى خارج البلاد.