لوحة الرحلة الأخيرة ( لفاسيلى بيروف)

هذا القسم هو مختص بفن الرسم حيث يتم إلقاء الضوء على لوحة فنية قد تكون محلية أو عالمية من أجل تذوق الجانب الجمالى الفنى فيها ومن أجل معرفة السبب فى رسمها ، وهو قسم خاص لكل محبى فن التصوير والرسم..........

لوحة الرحلة الأخيرة  ( لفاسيلى بيروف)

لوحة الرحلة الأخيرة

( لفاسيلى بيروف)

ولد فاسيلى بيروف فى يناير من عام 1834، وتعلّم الرسم فى مدرسة موسكو للفنّ. وهو معروف بتوليفاته الواضحة والبسيطة التى يميّزها لجوؤه المتكرّر للون الواحد، أو المونوكروم، رغم انه كان معلّما بارعا فى التلوين.  وقد تلقّى الرسّام لقب أكاديمى ثم عُيّن أستاذا للرسم بمدرسة موسكو للفن. وظلّ يمارس التدريس إلى حين وفاته بالسلّ فى يونيو 1882.

ويُعتبر فاسيلى بيروف، مؤسّس تيّار الواقعية النقدية فى الفنّ الروسى، وقد عاش فى عصر اتسم بالتغيير الإجتماعى والإنتعاش الاقتصادى، وفنّه يحمل نقدا حادّا لمظاهر المدنيّة الحديثة، لكنّه كثيرا ما يُنتقد بسبب تركيزه على الجوانب المظلمة من الحياة.

وكان بيروف مدافعا دائما عن الناس العاديّين ومراقبا دقيقا لأنماط السلوك الإنسانى بشكل عام، ولوحاته تستثير تعاطف الناس مع حياة الأفراد الذين يعانون من الإذلال وفقدان الكرامة الإنسانية بسبب قسوة المجتمع.

 وفى عام 1865،أبدع لوحته البديعة التى نراها اليوم والتى أطلق عليها اسم الرحـلة الأخيـرة...

جماليات اللوحة:

ينقل الرسّام إحساسا بمعنى الفقد أو الموت، إذ نرى امرأة، برفقة طفليها، وهى تنقل جثمان زوجها إلى مثواه الأخير فى كفن موضوع فوق عربة يجرّها حصان.

وفى اللوحة، وجه الأرملة غير واضح فى الصورة لأنها تعطى ظهرها للناظر، لكنّ كتفيها المنحنيين يتحدّثان ببلاغة عن حزنها وعمق مأساتها، ووضعية جلوسها متناغمة مع حركة الحصان الذى يجرّ العربة، والحصان هو الآخر، كأنّما يحسّ بعمق الفجيعة على فراق صاحبه.

 ومن الواضح أن لا أصدقاء يرافقون الميّت فى رحلته الأخيرة فى هذه البرّية الباردة والخاوية والمغطّاة بالثلج باستثناء زوجته وطفليه الذين يبدون متجمّدين من شدّة البرد، وثلاثتهم متوحّدون فى هذه الصورة من صور الإحساس بالحزن، وكأن الصورة من طرف خفى تشير إلى أنه لا يستشعر مرارة الفقد إلا ذوى المتوفى الراحل وأن الآخرين لا يحزنون إلا بضع لحظات إن حزنوا.

الابن يتواجد إلى اليسار، يرتدى قبّعة ومعطفا وفى عينيه وملامحه آثار حزن وإنهاك، بينما تحتضن أخته التابوت.

 شكل الطبيعة الخاوية والمتجهّمة والسماء المنخفضة والسحب الداكنة والثقيلة والأطراف المتجمّدة للغابة، كلّها عناصر تعزّز درجة الإحساس بحزن وكآبة المنظر. وهناك أيضا غلبة اللون الرمادى بتدرّجاته المختلفة والذى يعطى انطباعا بالبرد القاتل.

لم ينسى الرسام وجود كلب فى اللوحة وهو الحيوان المشهور بالوفاء والذى يذهب مع العائلة لتوديع رب لعائلة وكذلك فهو يحمى أفرادها أثناء رحلة الجنازة.

تحليل اللوحة:

اللوحة بسيطة فى شكلها وكاملة فى مضمونها، أى لا شيء فيها ناقص أو زائد عن الحاجة.  وهى لا تحكى فقط قصّة حزينة عن مصير عائلة فقيرة تُركت وحيدة بعد رحيل معيلها، بل أيضا عن مصير ملايين الفلاحين والمحرومين الذين يعانون ظروفا مماثلة.

 موضوع اللوحة استوحاه بيروف من قصيدة للشاعر الروسى نيكراسوف يتحدّث فيها عن جنازة تقام لرجل فى منتصف فصل الشتاء، لكن يقال أن اللوحة أكثر إثارة للحزن من القصيدة، إذ لا جيران هنا ولا معارف أو أصدقاء.

 ويُرجّح أن الرسّام رأى مرارا جنازات لفلاحين وعمّال فى رحلاته ومشاويره اليومية من وإلى بلدته. كما أن معرفته القويّة بظروف معيشة الطبقة العاملة مكّنته من أن ينجح فى تحويل فكرة عاديّة ومألوفة إلى عمل فنّى من الطراز الرفيع يجسّد مأساة الإنسان.

 وقد وضع عدّة اسكتشات تمهيدية للوحة وتجوّل فى العديد من القرى وراقب مناظر الخيول التى تجرّ عربات الجليد التى تنقل الأشخاص أو أكفان الموتى.

كان بيروف أوّل فنّان روسى يرسم صورة حقيقيّة عن الحزن والفقر المدقع وقسوة حياة الفلاحين وسكّان الأرياف،  وقد اكتسبت لوحته هذه شهرة عالميّة وحقّقت نجاحا كبيرا بين معاصريه. ونال عليها جائزة جمعية تشجيع الفنون، كما عُرضت مرارا فى معارض فنّية داخل روسيا وخارجها.