قصة قوم لوط

فى هذه الحلقة سنستعرض قصة قوم لوط والعذاب الذى نالوه بسبب المنكر الذى كانوا يفعلونه، فإلى المقال....

قصة قوم لوط

قصة قوم لوط 

من هو لوط عليه السلام؟

هو لوط بن هاران بن تارخ ( آزر) وهو إبن أخ إبراهيم عليه السلام الأصغر، وقد ذكره الله 27 مرة فى 14 سورة، وقد كفله إبراهيم وتربى فى بيته وقد آمن بدعوة سيدنا إبراهيم بعد أن أنجاه الله من النار فكان أحد إثنين فقط قد آمنا بسيدنا إبراهيم فى ذلك الوقت والإثنين هما سارة ولوط عليهما السلام، وهو النبى الذى أرسله الله لهداية أهل قرية تدعى (سدوم) وتسمى أيضا (المؤتفكة) قال تعالى فى سورة النجم (والمؤتفكة أهوى) آية 53 ولولا أمر الله له بالذهاب لهذه القرية الفاحشة والمكوث بها حتى يأذن له الله بالرحيل عنها ما كان قد ذهب إليها قط فأهل هذه القرية قد إجتمعت فيهم جميع الشرور والخبائث وهى الشرك بالله وقطع الطريق على المسافرين والإتيان بفاحشة كانوا هم أول من إبتدعها منذ خلق آدم وهى فاحشة اللواط (إتيان الذكور بدلا من النساء) وليس ذلك فحسب بل كانوا يفعلون ذلك مجاهرة أى أمام بعضهم البعض فقد كانوا أدنى خلقا من أحط الحيوانات وكانوا يخصصون أماكن لذلك وقيل عن عدم حياءهم البالغ أنهم كانوا يطلقون الريح أمام بعضهم ويتضاحكون أى الخلاصة أنهم كانوا مثالا للهو والعبث وعدم المبالاة بالآخر، ومما يؤسف له أنه يوجد فى عصرنا الحاضر بلاد فى الغرب تخصص بالفعل نوادى لفعل هذا المنكر وتجعله علانية، وعموما لقد أشتق فى اللغة العربية إسم الفعل  لهذه الفاحشة وهو (اللواط) من إسم سيدنا لوط وهو النبى الذى أرسله الله لنهيهم عن إرتكاب هذه الفاحشة أما فى اللغتين الفرنسية والإنجليزية فإسم الفعل لهذه الفاحشة منسوب لإسم أول مكان ظهرت فيه هذه الفاحشة وهو (سدوم) فهى فى الفرنسية   sodomie  أما فى الإنجليزية فهى sodomy  وفى هذا المناخ الصعب مكث لوط يدعوهم لله وينهاهم عن تلك المعاصى التى إستعذبوا إرتكابها ولكن دون فائدة فهم صم بكم عمى أضل من الأنعام كثيرا.........

قال تعالى فى سورة العنكبوت: ( ولوطا إذ قال لقومه أنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين/ آإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتاتون فى ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا آتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين/ قال رب أنصرنى على القوم المفسدين/ ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين/ قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا أمرأته  كانت من الغابرين/ ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا أمرأتك كانت من الغابرين/ إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون/ ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) الآيات من 28 إلى 35  

كيف بدأت تلك الفاحشة فيهم ولم يكن يسبقهم أحد من العالمين فيها؟

ما قبل مجئ لوط وبدء سريان هذه الفاحشة فيهم ، فقد كانت سدوم أرض خصبة مليئة بالثمرات والخيرات، وكانت طرقاتها وحدودها فيها أشجار تحمل الثمرات، ولكن حدث أن أصابهم قحط وقلة فى الزروع دفعتهم للتذمر ، وحينئذ وسوس لهم إبليس اللعين أنهم كى لا يصيبهم القحط أن يمنعوا ثمرات الأشجار العامة على الحدود أو فى داخل المدينة عن عابرى السبيل أو الغرباء، وكى يقوموا بذلك يجب أن يدفعوا الغرباء لعدم الإقتراب من بلدهم، وذلك لن يتم إلا بمعاملتهم أسوء معاملة والتى وسوس لهم الشيطان أن تكون بفعل اللواط فيهم رغم أنهم رجال وقد كانوا قبل  ذلك بأربعين سنة يفعلونه فى نساءهم ( فكانوا هم أيضا أول ناس فى ذلك)، وحتى يزين لهم إبليس ذلك المنكر تمثل لهم صبيا جميلا قادم إلى مدينتهم وأخذ يتمايل فى مجون أمامهم مما أغراهم كى ينفذوا ما سبق أن ذكره لهم إبليس، ووجدوا عندما نفذوه متعة ظنوا أنهم لم يجدوها من قبل، وهكذا تبدلت فطرتهم وتمسخت وأصبحوا فى أسفل سافلين....

لم يكن هناك مؤمنا أو رشيدا فى هذه القرية فجميعهم كانوا فاسقين، ولم يكن هناك من يرعون الله سوى لوط وإبنتيه ريثا وزغرتا، أما إمرأته فقد كانت كافرة وكانت على نفس سلوك قومها تؤيد صنيعهم الخبيث وفى ذلك قال تعالى فى سورة التحريم: (ضرب الله مثلا للذين كفروا إمراة نوح وإمرأة لوط  كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل أدخلا النار مع الداخلين) آية 10 وفى ذلك دلالة على أنه لا وساطة عند الله وأن علاقات القربى لا تشفع لكافر لم يؤمن ولم يرتدع والمقصود بالخيانة فى الآية السابقة هو خيانة العقيدة التى عليها زوجيهما النبيين (نوح/لوط) ولكنها ليست خيانة إتيان الفواحش إذ حاشا لله أن تزنى زوجة نبى أو بناته من صلبه....

وعندما تأكد أنه لا سبيل لإصلاح إعوجاج هؤلاء القوم بدأت مرحلة الجزاء وبدأت بذهاب الثلاث ملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى فلسطين لمقابلة إبراهيم عليه السلام وتبشيره هو وزوجته سارة بإنجاب إسحق ومن بعده يعقوب كما تقدم فى قصة إبراهيم، ثم أخبروهما بالمهمة التالية وهى إيقاع العذاب بقوم لوط عليه السلام ولقد خاف إبراهيم وقوع العذاب على لوط وتحركت فيه مشاعر الخوف على إبن أخيه، ولكنهم طمأنوه بأن الله أبدا لن يعاقب مصلحا قد أدى رسالته على أكمل وجه إذ أن مهمة أى نبى هى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، أما الإيمان الفعلى لمن يدعوهم فهى ليست مسئوليته ولن يسأله الله عن ذلك...

وذهبوا لسدوم أرض الموبقات، وقد كان ذهابهم إليها بمثابة الفرصة الأخيرة والإختبار الأخير لهؤلاء القوم، فذهبوا على صورة بالغة الروعة وبالغة الجمال وكانت إبنة لوط هى أول من أبصرت بهم وهى تستقى الماء لأهلها، فسألوها عن مكان ينزلون فيه لأنهم غرباء عن القرية فطلبت منهم الإنتظار وكانت تهدف من ذلك إخبار أبيها لوط بأمرهم لأنها تعلم خبث قومها وما سيفعلونه بهم إذا ما شاهدوهم وبخاصة وهم على هذه الهيئة من الحسن، وقد سمعت زوجة لوط (أمها) بأمر هؤلاء الضيوف وإبنتها تخبر لوط عليه السلام، وهرع لوط إليهم يريد أن يلقاهم فيمنعهم من البقاء والتواجد فى هذه القرية، ولكنه لا يستطيع كذلك أن يمنع ضيفا فهو نبى كريم لا يرد ضيف غريب فأخذ يعرض لهم فى الكلام عسى أن يفلح ذلك فى إرجاعهم والمقصود أنه أخذ يوضح لهم مساؤى أهل هذه القرية وصفاتهم الذميمة، ولكن عبثا فهم لا يبالون ويذهبون معه لبيته وسارعت زوجة لوط تخبر قومها الذين كانوا من قبل يفعلون الفاحشة ( ومن قبل كانوا يعملون السيئات) هود 78 ولكن الأنباء الجديدة بوصول ضيوف جميلى الصورة قد جعلتهم تواقون لرؤيتهم وفعل الفواحش معهم وهرعوا لمنزل لوط يطرقون الباب فى هياج فالشهوة كانت متمكنة منهم فنهاهم لوط عن ذلك وناشدهم ألا يخذلونه أمام الضيوف وتساءل ( أليس منكم رجل رشيد) و أخذ يخاطب عقولهم فقال: (أتأتون الذكران من العالمين/ وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) أى أن الفطرة السليمة التى خلق الله عليها البشر هى إنجذاب الرجال للنساء ولا يوجد من كائنات الله ما ينجذب إلى نفس جنسه بل أضاف ( قال يا قوم هؤلاء بناتى هن اطهر لكم) وليس المقصود إبنتيه اللاتى من صلبه، ولكن لأن الأنبياء والرسل يعتبرون جميع البنات بناتهم فهو يقصد أن تكون علاقاتهم الجنسية مع زوجاتهم اللاتى تحل لهم وهذا هو المشروع وهذه هى الفطرة السليمة، فأجابوه بكل وقاحة  ( لقد علمت ما لنا فى بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) أى إنهم يعترفون بشذوذهم وحبهم لهذه العادة القبيحة فهم فقط يتزوجون للتناسل ولوجود الذرية، أما ما يحبونه فعلا فهو هذه الفاحشة اللعينة وحينئذ بدأت قواه تخور لأنه فى النهاية فرد وليس له رهط (قوم) يحمونه، فقال لوط عليه السلام ( لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد ) هود80 ، وفى أثناء ذلك لاحظ لوط عدم مبالاة الضيوف بكل هذه الجلبة فتوجس منهم فبدا ذلك عليه، فطمأنوه بأنهم رسل من الله وأن هؤلاء القوم لن يستطيعوا فعل شئ معهم وأعلموه كذلك أنه سيقع العذاب لهؤلاء القوم وأنه لن ينجو أحد سوى لوط وإبنتيه وأن إمرأته بتأييدها سلوك قومها ستنال من العذاب مثلهم، وبشروه بأن ميعاد ذلك العذاب هو الصباح التالى، ولعل ترك الله لهذه المهلة من الزمن هو لإعطاء الفرصة للوط وإبنتيه للهرب من هذه القرية، ونعود لأهل القرية الفاسقين الذين يطرقون باب منزل لوط فى هياج، فقد خرج عليهم جبريل عليه السلام فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل أنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر فرجعوا يتحسسون الحيطان وهم يتوعدون لوط ويقولون: إذا كان الغد كان لنا وله شأن!!! وفى ذلك قال تعالى: ( ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا اعينهم فذوقوا عذابى ونذر/ ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) القمر 37 و38

 عذاب قوم لوط أو أهل سدوم:

بعد إن إستقر لوط عليه السلام وإبنتيه فى مكان بعيد عن أرض سدوم (وقد نهاهم الله عن النظر خلفهم والمقصود هو أن يديروا ظهورهم لهذه القرية الظالم أهلها فهى لا تستحق الحزن عليها أو الشفقة على هلاك سكانها) بدأ العذاب وكان كالآتى:

جاءهم جبريل عليه السلام فأدخل جناحه تحت القرية كلها وإرتفع بها إلى عنان السماء حتى قيل أن أهل السماء من الملائكة قد سمعت صياح ديوكهم ونباح كلابهم وحتى سمع أهل سدوم أنفسهم تسبيح الملائكة، ثم بدأ الرجم عليهم من السماء فكل شخص تسقط عليه حجارة أو صخرة مسومة أى تم تمييزها بإسم من تسقط فوقه وذلك حتى تدمغه، ثم صرخ فيهم جبريل الصيحة فأخمدتهم جميعا ثم أخذ القرية كلها فقلبها إلى الأرض وفى ذلك قال تعالى: ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود/ مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد) هود 82 و83

وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة لا ينتفع بماءها ولا بما حولها من الأراضى المتاخمة لفناءها لرداءتها ودناءتها فصارت عبرة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته فى إنتقامه ممن خالف أمره وعصاه وأتبع هواه ويقال أن هذا هو البحر الميت فى الأردن والله أعلم......  

معلومات عن ذلك الفعل المشين:

  • هو إنحطاط خلقى وإنحراف عن فطرة الله التى لا تقر سوى إنجذاب الرجل للمرأة وما عدا ذلك هو إنحراف سلوكى، وذلك السلوك المشين ليس أبدا نتيجة خلل جينى أو وراثى كما يزعم بعض الفاسدين كى يبرروا شذوذهم بأنهم مجبرين على ذلك، فالله طيب ولن يجعل أحد عباده يعانى من شئ لا ذنب له فيه، ولكن الحقيقة أن ذلك السلوك المنكر يأتى بسبب سوء التربية وعدم الملاحظة الأبوية/ عدم التوعية الدينية بحرمانية ذلك/ عدم الوعى وإتخاذ الإحتياطات فى الإختلاط بين النوعين ( الذكر والأنثى) وبخاصة بين الأخوة / برامج التليفزيون ووسائل التواصل الإجتماعى التى تتحدث عن ذلك الأمر فى مجال السخرية وعدم التأنيب مما قد يؤدى إلى عدم الإحساس ببن المشاهدين بالحرمانية لذلك الفعل/ عدم المساعدة المجتمعية على تزويج الشباب وذلك بتيسير المهور وتوفير المساكن ذات الإيجار المتناسب مع متوسط دخول المجتمع/ أخيرا تلك النظرة التحررية لبعض فئات المجتمع والتى تسمى نفسها بالمستنيرة والتى تدعو للحرية الشخصية للإنسان فى كل شئ، وكذلك ذلك الدفع المجتمعى - عن طريق المسلسلات والأفلام- للنظر إلى الزواج بأنه أمر مجهض لأحلام الفتاة فى العمل والإرتقاء الوظيفى أو أنه أمر يؤدى إلى تكبيل الشباب بمتطلبات أسرية فتكون البدائل هو ذلك السلوك...إلخ.
  • المجتمع الذى يشيع فيه ذلك يلقى غضب الرب، وتنتشر فيه الأمراض والموبقات، وفى النهاية ومهما طال الزمن فمصير أية نهضة وإرتقاء فيه هو الخراب.
  • قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « إنَّ مِن أخْوَفِ ما أخافُ عَلى أُمَّتِي عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”أرْبَعَةٌ يُصْبِحُونَ في غَضَبِ اللَّهِ، ويَمَسُّونَ في سَخَطِ اللَّهِ“، قِيلَ: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ”المُتَشَبِّهُونَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، والمُتَشَبِّهاتُ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ، والَّذِي يَأْتِي البَهِيمَةَ، والَّذِي يَأْتِي الرَّجُلَ“» .
  • وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”لَعَنَ اللَّهُ سَبْعَةً مِن خَلْقِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ، فَرَدَّدَ لَعْنَتَهُ عَلى واحِدَةٍ مِنها ثَلاثًا، ولَعَنَ بَعْدُ كُلَّ واحِدَةٍ لَعْنَةً لَعْنَةً؛ قالَ: مَلْعُونٌ، مَلْعُونٌ، مَلْعُونٌ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، مَلْعُونٌ مَن أتى شَيْئًا مِنَ البَهائِمِ، مَلْعُونٌ مَن جَمَعَ بَيْنَ امْرَأةٍ وابْنَتِها، مَلْعُونٌ مَن عَقَّ والِدَيْهِ، مَلْعُونٌ مَن ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، مَلْعُونٌ مَن غَيَّرَ حُدُودَ الأرْضِ، مَلْعُونٌ مَن تَوَلّى غَيْرَ مَوالِيهِ.“»
  • وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فارْجُمُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ“» .