3- فيلم جرى الوحوش

كانت بعض مدارس اللغات تدرس لتلاميذها الصغار فى مراحل الإبتدائى والإعدادى ما يسمى ب " خرافات لافونتين" وهى شعر فرنسى تم تأليفه لبيان حكمة أو شئ أخلاقى ومن مثال ذلك أنه رجل ثرى قد تقابل على سبيل المثال مع شخص فقير، وهذا الثرى يعانى قلة النوم والأرق أما الفقير فيعانى ضيق ذات اليد ويدور بينهما حوار يتمنى من خلاله الفقير أن يكون ثريا أما الثرى فيتمنى راحة البال والنوم حتى لو افتقر لتكون حكمة الخرافة أن كليهما غير راضى بحياته، وقد سميت " خرافات" لأن الأقدار ليست بتلك السهولة فالقدر لا يقوم بتخييرك بين بديلين، وفى أحيان كثيرة يكون ذلك الثرى أكثر الأشخاص تمتعا بالنوم ليجمع بين كل ما هو ممتع وذلك الفقير يعانى من الفقر والأرق معا ويبتلى بكل ما هو مكروه، ولكن لعل هدف الخرافة هو التوجيه للمتلقى بالإيمان دوما بالقضاء والقدر خيره وشره، وبهذه الرؤية الفلسفية كان الفيلم الذى نتناوله فى هذا المقال وهو فيلم " جرى الوحوش"، فإلى المقال.....

3- فيلم جرى الوحوش

3- فيلم جرى الوحوش

بعد أن قدم الثنائي علي عبدالخالق ومحمود أبوزيد فيلم (العار ـ 1982) ومن بعده فيلم (الكيف ـ 1985)، حيث نجح هذان الفيلمان نجاحاً فنياً وجماهيرياً ملحوظاً، جاء فيلمهما الثالث (جري الوحوش ـ 1987) ليستثمر هذا النجاح، ويقدما فيه موضوعاً مختلفاً عن موضوع الفيلمين السابقين، ويجدر بنا الإشارة هنا إلى أن الفيلم لم يحظ بالنجاح المتوقع له، حيث أن صناع الفيلم عندما أصروا على أن يقوم ببطولة الفيلم رباعي التمثيل في فيلم (العار)، كانوا يتوقعون نفس النجاح للفيلم الجديد. وإن المتفرج ذهب للفيلم على هذا الأساس، وهو وجود أسماء مثل: محمود أبوزيد، علي عبدالخالق، نور الشريف، حسين فهمي، محمود عبدالعزيز، نورا.. فاعتقد على الفور بأن الفيلم به مخدرات ودخان أزرق، ولكنه صدم عندما وجد الفيلم يتحدث عن موضوع آخر، ولا يحوي إلا حكماً ومواعظ، فانصرف عنه.. هذا بالرغم من أن الإنتاج كان سخياً ولم يبخل على الفيلم بشىء، حيث صورت بعض مشاهد الفيلم في قبرص، وخصوصاً مشاهد المستشفى التي أجريت فيه جراحة نقل الأجزاء من جسد المنجد إلى جسد المليونير.

كثيرا ما تحمل أفلام السناريست " محمود أبو زيد" رؤية أخلاقية كما فى فيلم العار حيث كانت الحكمة فى الفيلم أن عار الإنسان الحقيقى ليس نسب أو فقر معيشة وإنما هو جنوح نفسه للمكسب الحرام حتى لو باع نفسه ومبادئه، وكذلك فى ذلك الفيلم نجده يحرص على رسالة أخلاقية.

قصة الفيلم:

نجح الدكتور نبيه العالم(حسين فهمى)فى تجاربه على النسانيس لعلاج العقم بزرع جزء من الفص الامامى للغدة النخامية فى غدة النسناس العقيم، وقد ترك زوجته الانجليزية وإبنته فى لندن وعاد للقاهرة، حيث مستشفاه الكبير، ساعيا لتجربة ماوصل إليه على الانسان، وإحتاج للمال فعهد لصديقه المحامى عبد الحكيم (حسين الشربينى) لبيع عمارته بالإسكندرية، وعرض المشاركة فى المشروع على صديقه سعيد ابو الدهب (نور الشريف) تاجر الذهب الثرى، والذى استهوته الفكرة، حيث انه متزوج من وفاء (هدى رمزى) منذ ٢٠ عاما، ولم يهبه الله الولد، ولأنه يحب زوجته لم يفكر فى الزواج من أخرى، وطلب د.نبيه من صديقه سعيد ان يعثر له على من يتبرع بجزء من غدته النخامية، ففكر سعيد فى إيجاد متبرع لصالحه هو، وكلف خولى عزبته ابو الرخريخ (حافظ أمين) بإيجاد متبرع مقابل ٢٠ ألف جنيه، ثم مالبث ان رفعها الى ٢٠٠ ألف جنيه عندما لم يجد المتبرع، وأخيرا وجد ضالته فى المنجد عبد القوى شديد (محمودعبدالعزيز) الذى جاء للقاهرة لبيع أسورة ذهبية من اجل تكاليف اجهاض زوجته نواشى (نورا) حيث انه لديه ٣ أبناء لايقوى على نفقاتهم، واكتشف ان الأسورة مزيفة، بعد ان أقرضتها نواشى لبعض جيرانها، فقامت إحداهن بإستبدالها، وإستغل سعيد الموقف وحاجة عبد القوى للمال، وعرض عليه مبلغا كبيرا، ولكن عبد القوى تردد، خصوصا وان المحامى عبد الحكيم تدخل فى الامر وأبدى إمتعاضه من التدخل فى تغيير ماخلق الله، وعارض نقل الأعضاء، ولكن طمع عبد القوى وإطمئنانه لعدم إصابته بأى أذى، جعله يطلب من سعيد نصف ثروته، وإضطر سعيد للموافقة على منحه ٢ مليون جنيه، أخذهم نافش ومنفوش، ولكن عبد الحكيم رفض ان يحرر لهم عقد إتفاق لعدم مشروعية الاتفاق، لتعارضة مع القوانين المصرية، فقرر د.نبيه اجراء الجراحة بلندن، وبرر عبد القوى لزوجته نواشى سفره للخارج، من اجل تنجيد حجرة نوم إبنة مأمور قسم لندن، وعاد الجميع بعد ٣ شهور، وحاول سعيد مع زوجته وفاء التى حملت حملا كاذبا، وأكد الطبيب انها وصلت لسن إنقطاع الطمث، واستحالة حملها، واضطر سعيد للزواج من مساعدة د. نبيه الآنسة سوزى (لمياء الجداوى) من اجل الحصول على المولود فقط مقابل ١٠٠ ألف جنيه دفعهم د.نبيه، وطلبت وفاء الطلاق، ولكن سعيد أصيب بنوبة برد وتطورت الأمور وتدهورت صحته ولازم الفراش وعادت وفاء للعناية به، ولكن سعيد أصيب بشلل، بينما اكتشف عبد القوى انه قد فقد قدرته الجنسية ولم يعد مثل زمان، وظنت زوجته نواشى انه فلاتى يلعب بديله خارج المنزل بعد ان جرى المال بين يديه، وتم عرض عبد القوى على طبيب نفسى (فؤاد خليل) ولم تفلح جهوده لعودة عبد القوى لسابق نشاطه، فحاول البحث عن متبرع له بجزء من غدته، ووافق د.نبيه على اجراء العملية، لكن تعذر وجود المتبرع، أصاب عبد القوى بخلل عقلى.

التحليل النقدى والفنى للفيلم:

يتناول الفيلم من خلال أحداثه، فكرة الصراع بين البشر من أجل تحقيق أرزاق ليست مكتوبة لهم، والفوز بالسعادة وعلاماتها الثلاث (المال والبنون والصحة) في وقت واحد. والسؤال هو هل ينجح الإنسان في الحصول على رزق غير رزقه مهما ضحى وسعى للحصول عليه؟

لنتأمل معا أسماء الشخصيات فى ذلك الفيلم، على سبيل المثال نور الشريف ((سعيد)) بالرغم من أنه كان ((تعيس)) فى احداث الفيلم، و محمود عبد العزيز ((عبد القوى)) ولكنه أصبح ((ضعيف)) مع مرور الوقت، وحسين فهمى ((د/ نبيه)) خانه ((ذكائه)) العلمى وفشل فى تحقيق ذاته باصراره على مخالفة بعض قواعد الطبيعة،  أما حسين الشربينى ((عبد الحكيم)) فهو الوحيد الذى نجا فى احداث الفيلم لأنه الوحيد الذى تكلم بــ ((الحكمة)) والمنطق والرضا بما قسمه الله له....

شخصيات الفيلم:

سعيد أبو الدهب: هو الثري الذي حاز المال والثروة ولكنه لم يحظا بالصحة التي تساعده على الإنجاب

عبد القوى شديد: هو الذي حاز الصحة والقوة والقدرة على الإنجاب ولكنه لم يحظا بالمال

الدكتور نبيه: هو الذي حاز العلم لتحقيق أهدافه العلمية حتى وإن كانت على حساب العلاقات الإنسانية

المحامى عبد الحكيم: هو الذي حاز الحكمة والقانون والدين والأخلاق ولكن لم يسمع أحدًا وجهة نظره التي أثبتت صحتها فيما بعد

وفاء: هي زوجة سعيد والتي ظلت مخلصة لعلاقتها به وبحبه ولكنها أصبحت غير قادرة، ولكن عندما أراد القدر الجمع بينهما، عادت وفاء إلى سعيد في النهاية وهي راضية بإسمها وحظها

الفيلم برغم جودته من حيث الأداء التمثيلى لشخصياته إلا أنه يعيبه تلك النصيحة المباشرة التى كانت على لسان المحامى عبد الحكيم ( حسين الشربينى) إذ يتلاحظ رغبة المؤلف فى الإدخال المباشر للمعلومة فى ذهن المشاهد وهو ما يعتبر من عيوب العمل الدرامى، فكان الأفضل هو العرض وترك التعليق للمشاهد، ولعل ما دفع المؤلف " محمود أبو زيد " لذلك ما هو مترسخ فى بديهيات الدراما المصرية والعربية من أن الخير يجب أن ينتصر على الشر وإظهار الأبيض ناصعا فى البياض والأسود شديد السواد.

نأتى للخط العريض للفيلم وهو الإيمان بالقضاء والقدر وهى نظرية للشيخ محمد متولي الشعراوى والتي شرحها المحامي عبد الحكيم (حسين الشربينى) في أحد المشاهد المهمة بالفيلم. قائلًا: «إن الله سبحانه وتعالى وزع الأرزاق على البشر ولكن بطريقة لا يعلمها إلا هو، ولكن الأكيد هو أن كل إنسان وهبه الله رزقه كاملًا (24 قيراط)، ولكن تم توزيعه بشكل مختلف إما في المال أو البنون أو الصحة أو العمل، أو الزوجة الصالحة»..

حكم ومواعظ فرعية أتت فى الفيلم مثل عدم جواز التبرع بالأعضاء إن كان ذلك نظير مال يتقاضاه المتبرع وإلى وقتنا هذا فهذا الفعل مجرم قانونا ومحرما شرعا لإعتبار أن الجسد ليس ملك المتبرع وإنما ملك خالقه، وإجازة التبرع لأقارب الدرجة الأولى على إعتبار مراعاة الأواصر الإنسانية وصلة الرحم بين أفراد العائلة وحتى هذا فغير جائز فى حالات عدة عندما يتواجد مثلا ضرر محتمل للمتبرع، ومن ضمن الحكم الأخرى فى الفيلم وهو ما يمكن إعتباره رسالة لمجتمع الملحدين وهو أن العلم لا يستطيع دوما تحقيق المستحيل ولا يوجد علما نجح فى السابق فى تغيير ناموس الطبيعة ، فهاهو الطبيب الذكى المؤمن بالعلم لم يستطيع إثبات التجربة على بنى البشر، وأدت أفكاره إلى إتلاف حياة شخصين فى الفيلم وهما شخصيات ( نور الشريف) و( محمود عبد العزيز) وأتلف علاقة حب قوية ومتينة بين زوجين كانا قد ارتضيا قسمة الله سابقا وهكذا...

الفيلم فنيا وتمثيلا وتوزيعا للأدوار ممتاز غير ممل فيه كوميديا جيدة غير مفتعلة تمثلت فى ألفاظ ومقولات الفنان ( محمود عبد العزيز ) وبخاصة فى مشاهدته للقرد السابق التجربة العلمية عليه وسؤاله الدائم ( هل لا يزال القرد يتنطط) ومقولة (الأنترلوب ) والتى أصبحت إفيه وهى طبيا ذلك الفص الأمامى للغدة النخامية ( مايسترو الغدد) ، وكانت الموسيقى التصويرية رائعة للمبدع حسن أبو السعود...

الفيلم ينتهي نهاية وأضحة لا جدال فيها عن خط الفيلم وعن الرسالة التي أراد صناع الفيلم تقديمها، فكانت مأساوية إلى حد كبير، فقد أصاب سعيد الشلل، وأصاب عبد القوى الجنون، وأصاب الدكتور نبيه الإحباط والفشل، وأصبحت وجهة نظر عبد الحكيم المحامي هي وجهة النظر السليمة والتي لم تخرج عن نطاق ومبادئ وأخلاقيات الدين والعلم.

وإنتهى أخر مشهد في الفيلم بآية قرآنية وهى

 سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

 آية 211 سورة البقرة