رواية الجذور ( الجزء الأول)

من منا لم يتمنى أن يعرف سيرة جده السابع أو السادس ويعرف هل كان غنيا أم فقيرا؟ ماذا كانت مهنته؟ ماذا كانت ديانته؟ هل كان من أبناء الوطن الأصليين أم مهاجرا؟ إلخ.. من الأسئلة التى طالما تدور فى عقولنا منذ الطفولة وبالفعل قد يجيبنا الأهل بمعرفة واثقة عن سيرة الجد أو جد الجد ولكن أكثر من ذلك قد تكون الصورة ضبابية والمعرفة قليلة وبخاصة أنه لم يكن التوثيق المجتمعى بالصورة التى نحن عليها الآن... أليكس هيلي كان منذ طفولته مثلنا يتمنى معرفة سيرة آبائه وأجداده وقد كان الهدف عنده هو معرفة جذوره الأفريقية وكيفية وصول أجداده لأمريكا التى وإن تم إعتبارها الآن أرض الأحلام ولكنها نشأت بفضل سواعد المهاجرين وعلى الأخص منهم الأفارقة، وحظه الجيد أنه ينتمى لدولة تعرف قيمة التوثيق منذ قديم، فحركات التجارة ورسو السفن وتجارة العبيد وتسلسل الملكيات كله موثق فى دفاتر وكلها موجودة فى أرشيفات ولكنها فقط تحتاج إلى الجهد والدأب من أجل التقصى والربط ، وهذا هو عين ما فعله أليكس هيلى وأسفر عن روايته أو بالأحرى ملحمته الخالدة ( الجذور The roots )، والتى سنلقى عليها الضوء مع التوصية بقراءتها..... حاول هيلي تتبع تاريخ عائلته منذ أحد أجداده والذي يدعى كونتا كونتي والذى تم استعباده واستحضر ليعمل كرق إلى الولايات المتحدة. وتناقلت الأجيال اللاحقة قصة كونتا وكيف أنه كان شخصا حرا في جامبيا. إلى أن حصل أحد أحفاد كونتا على الحرية والذى هو جد هيلى من جهة والدته. وبحث هيلى العادات الأفريقية وعادات الأفريقيين الأمريكيين ليدمجها في قصة رائعة تتحدث عن تاريخ عائلة منذ منتصف القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين....

رواية الجذور ( الجزء الأول)

رواية الجذور ( الجزء الأول)

تلك كانت مقدمة رواية "الجذور" "Roots " للكاتب الأمريكي إليكس هيلي (1921 – 1992) ، والجذور هي ملحمة عائلة أمريكية غير عادية لرجل يبحث عن أصوله، يحكي فيها إليكس قصة حياة جده الأفريقي كونتا كنتى وكيف تم أسره بواسطة تجار العبيد وبيع في أمريكا ، صدرت هذه الرواية عام 1976، وترجمت إلى 37 لغة وبيع منها أكثر من 50 مليون نسخة وأصبحت أساسا لمسلسل تليفزيوني حمل نفس الاسم حقق نجاحا كبيرا....

من هو أليكس هيلى؟ :

أليكس هيلى  Alex Haley  (1921 - 1992 ):

هو مؤلف وأديب أميريكي، وُلِدَ في نيويورك،  وعمل في بداية حياته في خفر السواحل حيث كان يقضي معظم وقته في البحر، فاشترى آلة كاتبة صغيرة وبدأ بكتابة الرسائل والأقاصيص فى أوقات فراغه وهو على ظهر السفينة. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سمح خفر السواحل لأليكس بأن يعمل في دائرة الاعلام التابعة لحرس البحر، وقد استلم ادارة هذه الدائرة حتى نهاية حياته الوظيفية وتقاعده أي سنة 1959.  استمر أليكس بالكتابة والنشر ولكن من دون تحقيق أى مكاسب مادية، وكانت فرصته الكبيرة عندما طلبت منه مجلة بلاي بوى إجراء عدة حوارات مع شخصيات اميركية من أصل أفريقي أمثال: مارتن لوثر كينغ، مالكوم اكس، وسامي دايفيس وغيرهم... ومن خلال مقابلته لمالكوم اكس تعرف عليه جيداً وكتب سيرة حياته سنة 1964. بعدها قام وبتشجيع من مالكوم اكس بالبحث عن جذوره العائلية متنقلاً بين لندن وافريقيا والولايات المتحدة حيث يسكن. لم يترك مرجعاً ولا وثيقة تاريخية إلا وبحث فيها حتى أصدر روايته هذه بعد 12 سنة من البحث المتواصل فى عام 1976.

بداية الإستقصاء:

بذل أليكس جهدا كبيرا على مدار 12 سنة للوصول إلى جذور عائلته وجده الأفريقي ..اتصل بدكتور متخصص في الشئون الأفريقية، وأكد له أن الأصوات التي رواها جده تعتبر من لغة "ماندينكا  mandinka".

سافر للسنغال وقابل عدد من الرجال المسلمين الذين أكدوا له أن كلمة كين تاي قد تكون تحريف للقب عشيرة كنتا الشهيرة في جامبيا ، وبالتالي فعليه أن يقابل أحد "الشعراء المؤرخين" وهم رجال طاعنين في السن ويعدون بمثابة أرشيف حي متنقل للتاريخ غير المكتوب، وبالفعل عثر على أحدهم في قرية جوفيور وسافر دون أن يدري لقرية جده الأفريقى.

قام الشاعر المؤرخ بعرض تلخيص جوهرى لتاريخ عشيرة كنتا  التي بدأت في "مإلى القديمة" ، وذات يوم هاجرت إحدى فروع العشيرة إلى دولة "موريتانيا" ثم قام أحد أبناء هذه العشيرة ويسمي "كيرابا كونتا كينتا" وهو رجل "مرابط" ( من المرابطين أتباع الشيخ عبد الله بن ياسين ) برحلة طويلة إلى أن وصل إلى الدولة التي تسمي جامبيا. وفي الوقت الذي جاء فيه جنود الملك ذهب كونتا إلى مكان بعيد عن قريته لكي يقطع بعض الأشجار ولم يشاهده أحد بعد ذلك إلى الأبد..."! وحينما أخبره الشاعر أن كونتا هو جده الأفريقى الذي يبحث عنه فرحت جميع قرية جوفيور، وذهب إليكس مع الرجال للمسجد الذى أدوا فيه الصلاة باللغة العربية وشكروا الله أنه أعاد لهم حفيد ولدهم .

البداية: عائلة إفريقية مسلمة

في بداية ربيع 1750 ، وفي قرية "جوفور" على مسيرة أربعة أيام من ساحل جامبيا في غرب أفريقيا ولد طفل ذكر لـ"عمر" Omaro و"بينتا كنت" مستمدا قوته من جسد بينتا القوي، وكان أسودا مثلها تجري في عروقه دماؤها.

فرح "عمر" بميلاد ابنه كثيرا، واختار له اسم "كونتا" وهو اسم جد الطفل "كيرابا كونتا كنتي" الذي جاء من موريتانيا إلى جامبيا حيث أنقذ أهل "جوفور" من المجاعة التي حطت بقريتهم نتيجة القحط والجفاف ، وكان كل شئ يموت ويفني، ووقع المزيد من الناس مرضي، وترك البعض الأخر القرية هربا حتى أرشد الله خطوات الولي الصالح "كايرابا كونتا كنتي" إلى القرية فانقذها من الجوع.

عاش كونتا مع أسرته حياة هادئة، وفي جوانب العرض الرائع لإليكس هيلي نلمح كيف كان سكان جامبيا  يتمسكون بديانة الإسلام ، فعندما أصابهم يوما ما قحط فضلوا أن يموتوا جوعا على أكل الخنازير، وعندما بلغ كونتا السن التي تؤهله للعمل خرج لرعي بعض الماعز لوالد، و بعد الرعي كان يذهب لكتّاب القرية لحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة العربية.

يذكر هيلي الكثير عن الحضارة الأفريقية، مثل حضارة دولة مالي التي اشتهرت بمدنها الكبيرة ومزارعها وصناعها وحدادوها ودباغوها، ولكن ثروتها الضخمة أتت من طرق التجارة البعيدة في الملح والذهب والنحاس، وأعظم المدن هي تمبوكتو والتي كانت مسكونة بآلاف الطلبة الأفارقة الباحثين عن العلم .

تجارة العبيد البشعة:

حكت عجوز في القرية لكونتا عن تجارة العبيد فقالت له :" لقد هجم الرجال البيض ومعهم السود الخونة على قريتها، أشعلوا النيران فيها، ومن نجا من النيران سقط في أيديهم ، وتم اقتيادهم في وحشية، أما الذين جرحوا بشدة أو العجائز أو الصغار ممن لا يستطيعون السفر فقتلوا أمام أعين الآخرين."

 طالما حذر عمر ولديه كونتا ولامين من البيض، فقال لهم أنه و شقيقيه جانيه وسولوم قاما في السابق بالذهاب في رحلة ليروا ماذا يفعل الطوبوب (هو الاسم الذي كان الأفريقيين يطلقوه علي الرجال البيض الأشرار)، فسار الإخوة الثلاثة علي طول ضفتي نهر كامبي بولونجي ( نهر رئيسى فى جامبيا) إلى أن عثروا على عشرين زورقا ضخما، حيث يقوم البيض بوضع الأسرى في "زرائب"، وعندما تحضر الزوارق الصغيرة فإنه يتم جر الأفارقة للخارج وقد حلقت رؤوسهم، وخٌتمت أجسادهم المطلية بشحوم لامعة بأختام معدنية حامية ، ويشحنوا في زوارق كبيرة، ومن يحاول الفرار ويقذف بنفسه في المياه يكون لقمة سائغة لأسماك القرش.

وقوع كونتا فى الأسر:

كان سكان جامبيا قد تعودوا في ذلك الزمن على ارسال أولادهم إلى معسكر خاص يشرف على تدريب أولادهم ليصبحوا رجالا أشداء يعتمد عليهم ويتحملوا بعدها تكاليف الحياة ، وقد ساعدت التدريبات التي تلقاها كونتا في تحمله مصاعب العمل حينما صار عبدا فى أمريكا.

صلى كونتا كعادته صلاة الفجر وأخذ نفسا عميقا وانطلق نحو المجرى المائى بسرعة ومعه كلبه من أجل البحث عن خشب في الغابة يصلح كاطار لطبلته، وفى أثناء ذلك سمع كونتا رفرقة حادة لجناحين ، تبعها صياح ببغاء فوقه ، واستدار الصبي ليشهد عددا من البيض يحاولون إقتياده ، حاول المقاومة غرس أسنانه في لحمهم وأدخل أصابعه في عيونهم ، ولكن أحدهم هوى بفرع الشجرة على رأس كونتا، لكنه وبالرغم من الدماء التي تسيل من رأسه المشقوق ظل   يحاول الهرب ، ولكنهم أوسعوه بالضرب الوحشى وتمكنوا منه ...

 لقد ظل يقاتل من أجل من حياته ومن أجل عمر وأمه بينتا وأشقائه وعندما أصطدم فرع الشجرة برأس كونتا أصبح كل شئ اسود فى عينيه....

 يرمونه في قبو السفينة!!!!

هذا هو الجزء الذى وصفه أليكس هيلى بأنه كان أصعب جزء على نفسه عند كتابة "الجذور" ، كيف يصف فى كلمات رحلة العذاب الطويلة التي تقطعها السفينة من ساحل أفريقيا إلى ساحل أمريكا الشرقي فى رحلة امتدت لعدة أشهر عبر محيط متقلب الأجواء وفي مكان أقل ما يوصف أنه قبر !!!. ولنقرأ في الرواية وصف أليكس هيلى لذلك:

استيقظ كونتا ليجد نفسه نائما على ظهره بين رجلين آخرين في حفرة من الظلام ، كان كل جسده كتله من الألم والضرب الذي تلقاه لمدة أربعة أيام.

سمع صوت الآنات المكتومة بكل اللغات ، أخذ يدقق السمع فجاءت صيحة بالعربية من أحد  الأسرى معه يقول: " الله في السماء ساعدني"

ورغم أنه لا يستطيع أن يقعد على ركبتيه ولا يعرف حتى أين إتجاه القبلة فإنه أغمض عينيه حتي استلقى وصلى طالبا مغفرة الله.

رفض كونتا الطعام الذي يقدم له ، لم يكن طعاما إنما شئ صلب لا تتحمله المعدة.. كانت رحلة عصيبة، عانى فيها المحبوسون من آلام الأسر ، الجوع ، الرائحة النتنة من قياءهم وبولهم وبرازهم، وقرصات قمل الجسد، امتلا كل المحبس بالقمل والبراغيث، والفئران ضخمة الحجم التي كانت تعض الجروح المتقيحة.

إلى اللقاء فى الجزء الثانى والأخير......