رحلوا فى ريعان الشباب (3)

كما اكتسبوا شهرتهم مبكرا إلا أن مشيئة الله أرادت كذلك أن يرحلوا عن عالمنا مبكرا تاركين محبيهم فى صدمة من رحيلهم المفاجئ، وبعضهم كان مايزال يشق خطوات نجومية رائعة كانوا للتو قد بدءوا فيها وهذا المقال يلقى الضوء على بعض منهم، فمنهم من توفى فى الثلاثينات من عمره وبدء الأربعينات، فلندعو جميعا لهم بالرحمة...

رحلوا فى ريعان الشباب (3)
الفنان عامر منيب

رحلوا فى ريعان الشباب (3)

رحلوا فى ريعان الشباب(1) من هنا

رحلوا فى ريعان الشباب (2) من هنا

عادل خيرى: ( 1930- 1963)

والده هو المبدع بديع خيرى  رفيق درب الفنان نجيب الريحانى، ورغم قصر مشواره الفنى والذى لم يتجاوز سبع سنوات إلا أنه ترك بصمة ببطولته لبضع مسرحيات أصبحت من أيقونات المسرح المصرى وبها عبارات طالما يتم ترديدها فمن ممنا لا يتذكر جملة "إنتى جاية اشتغلي إيه ؟" التي قالتها الفنانة الكبيرة ماري منيب  للفنان الشاب عادل خيرى في مسرحية "إلا خمسة" ، والتى وصفها النقاد بأنها كانت بمثابة ذروة نجاحه...

ولد عادل خيرى في حي روض الفرج بمحافظة القاهرة فى 11 نوفمبر من عام 1930م ، و هو ابن المؤلف المسرحي والسينمائي والشاعر العظيم بديع خيري، و تزوج عادل خيري من  السباحة والرياضية إيناس حقي (بطلة العالم فى السباحة بإيطاليا  وعابرة المانش) وأنجب منها  3 فتيات هن "عبلة وعزة وعطية" ....

حصل عادل خيرى على ليسانس الحقوق ودبلوم الشريعة الإسلامية ودبلوم الاقتصاد السياسي ، وكان محبا للتعليم ، وافتتح مع زوجته مكتبا للمحاماة، ولكنه وقع في غرام التمثيل في أثناء دراسته الثانوية ، فكون فرقة مسرحية من الهواة وأخرج لها مسرحية "مزين موضة" ، واشترك في فريق التمثيل بكلية الحقوق ، ثم احترف التمثيل بفرقة نجيب الريحاني ، وكان بطلا لمسرحياتها، ومن أشهر أعماله المسرحية  ( إلا خمسة ، لو كنت حليوة ، 30 يوم فى السجن)،  كما أخرج لفرقة الريحاني عدة مسرحيات ، بالتناوب مع الفنان سراج منير والفنان عبدالعزيز أحمد ..

أما فى السينما، فلم يكن التوفيق حليفه مثل عالم المسرح ولعل هذا أحد أهم أسباب عدم معرفة الكثيرين به وكانت بدايته في السينما كانت فى عام 1960م ، من خلال فيلم "البنات والصيف" في القصة الأولى من إخراج عز الدين ذو الفقار ، والفيلم الثاني "لقمة العيش" 1960م ، من إخراج نيازي مصطفى ، وبطولة صلاح ذو الفقار ومها صبري ، وقام في الفيلم بدورين (رجل وامرأة) ..

رحلة المرض تكتب النهاية للشاب عادل خيرى:

ورث عادل خيري عن والديه مرض السكر ، الذى أدى لتليف كبده مبكرا ، وفي أواخر أيامه كان يقضى فترات طويلة بالمستشفى ، وكان صديقه الفنان محمد عوض ، يقوم بأداء أدواره المسرحية في فترات غيابه ..

قالت ابنته الفنانة عطية عادل خيري ، عن وفاته في حوار صحفي ..

 "بيت جدي لم يكن سعيدا ، بل على العكس فقد كان البيت كئيبا جدا ، فجدي كان مريضا بالسكر ما أدى إلى استئصال أصابع قدميه العشرة ، وعاش على كرسي متحرك بقية حياته ، وكانت جدتى وهي قريبة جدي مريضة هي الأخرى بالسكر وقد فقدت بصرها قبل وفاتها بـ 3 سنوات ، ثم توفي والدي بعدها ، بعد أن قضى في عالم الفن 7 سنوات فقط" ..

لم تكن جراحات زرع الكبد ، قد عُرفت فى ذلك الوقت ، وتوفي الفنان عادل خيرى فى 1 مايو من عام 1963م ، بالقاهرة ، عن عمر يناهز 32 عاما ، وعمر فني بلغ 7 سنوات فقط، و وفقا لزوجته إيناس حقي ، فقد شعر عادل خيري بالملل من البقاء طويلاً في المستشفى والابتعاد عن رؤية جمهوره ، فقرر الذهاب ذات مرة إلى المسرح ، وكان محمد عوض يلعب دوره ، وبعد أن إنتهى العرض توجه إلى خشبة المسرح من الكواليس فضجت القاعة بالتصفيق ، فبكى متأثرا بحفاوة الجمهور به ، وتوفى بعد هذا المشهد بأيام ..

ابنته عطية  هى فنانة كارتون ومخرجة رسوم متحركة وجرافيك ، وابنته عبلة عبرت المانش وعمرها 13 عاما ، وشقيقه الأصغر نبيل خيري قد كان ممثلا فى مرحلة الطفولة ، وعندما كبر أصبح مخرجا ..

- رحمه الله وغفر له واسكنه فسيح جناته ...

الضيف أحمد: ( 1936- 1970)

" لم يحتاج أن يظهر طيلة مشاهد أى فيلم حتى يعيش في ذاكرة المشاهدين، ولكن بتلقائيته وعفويته وحضوره كان قادرًا على أن يخطف الكاميرا لصالحه في مشاهده القليلة حتى لو كان يقف أمامه أهم أبطال الفن  لتصبح طبيعة الفنان الضيف أحمد هى "مشاهد قليلة وحضور فني يعيش للأبد"....

جسد نحيل وبشرة سمراء، وملامح طفولية تجمع بين البراءة والشقاوة وخفة الظل، جعلت من الضيف أحمد  فنانًا ذو طبيعة خاصة، فهو ليس وسيمًا ولكن يملك حضورًا جاذبًا، ليس دنجوانًا ولكن أحد الوجوه الفنية التي يشار إليها بالبنان، عشق ابن قرية "تمى الأمديد" بمحافظة الدقهلية الذي ولد يوم 12 فبراير من عام 1936 الفن منذ نعومة أظافره، وعلى مسرح الجامعة  كانت له صولاته وجولاته، وأخرج عددًا من الأعمال المسرحية التي حصل من خلالها على عدد الميداليات....

كان لأستاذ الكوميديا فؤاد المهندس، نظرة لا تخيب تجاه الشاب الصغير الضيف أحمد، ولذلك قدمه في "أنا وهو وهي"، سواء على خشبة المسرح، أو على شاشة السينما، ونجح هذا النحيل في مشاهده القليلة التي جسّد من خلالها خادمًا للأستاذ أن يسرق الكاميرا في اللحظات التي يظهر فيها وينتزع ضحكات المشاهدين.

ومع فرقة "ثلاثي أضواء المسرح"، لمع الضيف أحمد بجوار صديقيه جورج سيدهم، وسمير غانم، وكان يعد أكثرهم موهبة لأنّه لم يكن ممثلًا فقط بل كان مؤلفًا أيضًا، وكان يعد العقل المدبر للثلاثى الذي "انفرط عقده" بعد رحيل الضيف أحمد.

عدد من الأعمال الشهيرة قدمها الضيف أحمد مع "ثلاثي أضواء المسرح" منها "دكتور الحقني، كوتو موتو يا حلوة يا بطة، الزواج على الطريقة الحديثة، 30 يوم في السجن، شاطئ المرح، مراتي مدير عام، شباب مجنون".

رثاه الفنان سمير غانم قائلا:

"عزيزي الضيف أحمد بسأل عنك كل ما بضحك، بس ما بيجيش الرد، كل ما بلمح حد واصلك، أجري له ألقاه يتشد.. بيني وبينك عندك أحسن، أروق، أنضف، لولا الرب علينا بيلطف، كنا زمانا بناكل بعض.. بس بنضحك، نزعل نضحك، نفرح برضه نضحك.. عزيزي الضيف أحمد ما أعرفش إذا كنت سامعني ولا ما عدتش تسمع حد، فاكر لما نغني كنا نضحك طوب الأرض.. بيني وبينك كل ما أدقق، أفكر، أمعن، بشعر إني خلاص حاتجنن، بس مافيش م المكتوب بد، وأهي أيام بتعدي يا ضيف، وحنتقابل بلا تكليف"..

كان الضيف أحمد  عاشقًا للفن حتى آخر نفس في حياته، وبعد إجراء بروفات مسرحية "الراجل اللي جوز مراته"، والتي يجسّد فيها "الضيف" شخصية شخص سيموت ويتمّ وضعه داخل نعش، وذهاب كل واحد لمنزله، شعر صاحب الجسد النحيل بوغزة في صدره وبآلام مبرحة، ليرحل بعدها الضيف أحمد، في خِفة وهدوء، ليسدل الستار على أحد أعمدة نجوم الكوميديا.

في يوم 16 أبريل من عام 1970 رحل عن عالمنا الفنان الضيف أحمد، وهو في ريعان شبابه ولم يتجاوز الـ35 من عمره، ليكون له نصيبًا من اسمه "ضيفًا خفيفًا في الدنيا"، تاركًا عددًا من الأعمال الفنية و"إفيهات" ضاحكة لن تمحى من ذاكرة السينما والمسرح والتليفزيون.

عامر منيب: ( 1963- 2011)

عامر منيب ​هو حفيد الفنانة الكبيرة الراحلة​ ماري منيب​، ورث منها حبه للمسرح والفن وعشق الغناء أيضا، وفى فترة ليست بطويلة، قدم علامات فارقة في مشواره الذى انقطع بوفاته وهو فى الثامنة والأربعين من عمره، ليصدم كل محبيه، الذين يتذكرونه دائما ببصمته المميزة في عالم الغناء والسينما.

ولد عامر منيب يوم 2 سبتمبر عام 1963، ومنذ طفولته كان محاطا بالفنانين، إذ أنه كان يذهب مع جدته ماري منيب إلى مسرح ​نجيب الريحاني​ وكان مولعا بالمسرح والغناء والتمثيل، إلا انه وبعد وفاة جدته وهو في سن السادسة من عمره، عاد مع أشقائه جمال وأميرة وأمينة إلى منزل والده وركز على دراسته فكان طالبا متفوقا عتم تعيينه بعد تخرجه معيدا في الجامعة، لكنه قرر السفر إلى استراليا لإستكمال الدراسة والحصول على الدكتوراه، لتلعب الصدفة دورا غيّر مجرى حياته، ففي الليلة التى كان من المفترض أن يسافر فيها الى أستراليا، كان في سهرة مع الأصدقاء وكان يتواجد في نفس المكان الملحن حلمي بكر والممثل ​محمود ياسين​ وشهيرة، فطلب منه احد الموجودين الغناء فقام بتقديم أغنية صعبة لموسيقار الأجيال ​محمد عبد الوهاب​، وحين سمعه حلمي بكر طلب منه ألا يترك مصر وأن يركز على الغناء لأن مستقبلا واعدا ينتظره في هذا المجال، وبالفعل ذهب عامر منيب إلى منزله، ومزّق تذكرة السفر وقرر احتراف الغناء.....

خلال مشواره الفني، قدم عامر منيب 12 ألبوما غنائيا. ففي عام 1990 قدم أول ألبوماته الغنائية "لمحي" والذي قرر أن يكون من إنتاجه الخاص حيث قام ببيع سيارته واستدان من بعض أصدقائه من أجل أن يشرف بنفسه على كل الأغنيات وألّا تكون هناك أى سلطة عليه في خِياراته الغنائية. ومن انتاجه الخاص أيضا، قدّم بعد ثلاث سنوات ألبومه الثانى "يا قلبي" وبعدها بعام قدم ألبوم "أول حب". وفي عام 1996 قدم ألبوم "وعلمتك"، وفي عام 1999 قدم ألبوم "فاكر" وفي عام 2000 قدم ألبوم "أيام وليالي" وفي الـ 2001 قدم ألبوم "وياك" وفي الـ 2002 قدم ألبوم "الله عليك" وقدم "حب العمر" في الـ 2003 وفي الـ 2005 قدم ألبوم "كل ثانية معاك" وأخيرا كانت آخر البوماته "حظي من السما" في عام 2008. وطُرحت بعد وفاته اغنية "جيت على بالي" التي قدمها كسنجل، وغناها أيضا مع الفنانة لطيفة التونسية.

الى جانب الغناء، كان عامر منيب من النجوم الذين قدموا تجارب تمثيليلة أيضا بدأها في عام 2002 بفيلم "سحر العيون" مع ​نيللي كريم​ و​حلا شيحة​، وحقق الفيلم وقتها نجاحا كبيرا حيث كان يجمع بين الرومانسية والحب والغناء والشعوذة والدجل ايضا. وقدم في عام 2004 فيلمه الثاني "كيمو وانتيمو"، وبعدها بعامين وبالتحديد في العام 2006، قدم عامر منيب "الغواص" مع ​داليا البحيري​ وفيلم "كامل الأوصاف" الذي شاركته بطولته حلا شيحة وكان أول عمل تظهر فيه بالحجاب وثاني عمل يجمع بينهما وكانت بينهما صداقة وطيدة، حتى أنها دخلت في اكتئاب بعد وفاته وقررت الاعتزال....

وعلى الرغم من عشق عامر منيب للفن، إلا انه تزوج من خارج الوسط الفني من السيدة إيمان الألفي وقد لُقب بين زملائه من الفنانين بأبو البنات، إذ أنه رُزق بثلاث بنات هن مريم وزينة ونور. ولكن جمهوره يطلق عليه لقبا آخر هو "ملك الرومانسية"، لحرص عامر منيب على تقديم أغنيات غاية فى الرومانسية، ما ميّزه بين نجوم جيله.

معروف كذلك عن عامر منيب تديّنه الشديد وحفاظه على الصلاة بشكل دائم، وكان خلوقا مع المحيطين به، وكان يحلم دائما بأن يسجل القرآن الكريم كاملا بصوته، إلا ان وفاته عن عمر 48 عاما، جعلت هذا الحلم لا يتحقق.

وفاته:

عانى عامر منيب طوال عامين من آلام سرطان القولون، وأجرى جراحة في ألمانيا حيث تم استئصال جزء من القولون، وواجه شائعة وفاته، حيث قام بطرح تسجيل صوتي لجمهوره للرد على الشائعة طالبا منه الدعاء له، ذلك قبل أن تتدهور حالته مرة أخرى ليدخل مستشفى دار الفؤاد، وقبل وفاته بأيام دخل في غيبوبة تامة بعد تعرضه لهبوط حاد في الدورة الدموية، وقد حاولت أسرته انهاء الاجراءات لسفره مرة أخرى للخارج، لكن بسبب الاضطرابات التي شهدتها مصر في تلك الفترة ( ما بعد إنتفاضة 25 يناير 2011) لم يتمكن من السفر، فتوفى عامر منيب في المستشفى صباح السبت 26 نوفمبر عام 2011، وشيعت جنازته من مسجد رابعة العدوية ودُفن إلى جوار جدته مارى منيب  بمدافن الأسرة فى مدينة نصر.