حنظلة غسيل الملائكة

صحابى جليل صادق الهمة، لم تمنعه ليلة عرسه عن نداء الجهاد فى سبيل الله، وشاءت له أقدار السماء أن يكون أبوه وحماه من أعداء الله، ولصدق عزمه ولحبه لظهور دين الإسلام، كانت خاتمة حياته الجميلة بالإستشهاد فى غزوة أحد وأن تقوم الملائكة بتغسيله، فإلى سيرته العطرة....

حنظلة غسيل الملائكة

حنظلة غسيل الملائكة

هو حنظلة بن أبي عامر بن صيفي بن زيد بن أمية بن ضبيعة الأنصاري الأوسي، من بني عمرو بن عوف...

من هو والده؟

والده هو أبوعامر الراهب ( أبو عامر الفاسق) واسمه عمرو، وقيل: عبد عمرو، وكان والده يُعرف بالراهب في الجاهلية، وكان يذكر البعث ودين الحنيفية، ويسأل عن ظهور رسول الله، ويستوصف صفته من الأحبار والرهبان، فلما بعث رسول الله حسده أبو عامر وبَغَى ونافق، وقال له: يا محمدُ أنتَ تخلط الحَنيفيّةَ بغيرها. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أتَيتُ بها بيضاء نَقِيّةً، أَبِنْ ما كان يُخبرك الأحبارُ من صِفَتِي؟»، قال: لَستَ بالذي وَصفُوا لي، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: «كذبتَ»، فقال: ما كذَبتُ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «الكاذبُ أماتَهُ الله طريدًا وحيداً»، فقال: آمين. وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم أبوعامر الفاسق، ولما هاجر النبي إلى المدينة فارقها إلى مكة، والتقى فيها بزعماء قريش وراح يحرضها على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعهد لهم بمساندتهم إذا قدموا إلى المدينة، وأقام بمكة فلما فُتحت هرب إلى بلاد الروم فمات كافراً غريباً وحيداً، كما دعا على نفسه.

ينسب إلى والده العديد من الأشياء السيئة فى معاداة الرسول صلى الله عليه وسلم مثل قيامه بحفر حفائر بين صفوف المسلمين وصفوف المشركين فى غزوة أحد كان من نتيجتها أن وقع فى إحداها رسول الله فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى كما شج رأسه عليه الصلاة والسلام.

ساهم كذلك أبو عامر الفاسق فى تأسيس مسجد ضرار الذى نزل الوحى على رسول الله بتحريم الصلاة فيه وهدمه إذ أنه عندما رأى أن  أن موقعة أحد لم تضعف من شوكة المسلمين راح يستنصر هرقل ملك الروم على الرسول ومن معه ويكتب إلى رجال قبيلته ليكونوا عونًا له إذا جاءت جيوش الروم إلى المدينة، وبالفعل استجاب له بعض الذين لم يكن الإيمان قد ملأ قلوبهم فأسسوا مسجدًا ليكون بمثابة موقع ينزل عليهم من الرسل التي يرسلها إليهم أو الكتب التي يبعثها إليهم بعد أن طلب منهم ذلك، وراح هؤلاء يطلبون من الرسول أن يصلي بهم فيه، لكنه لم يفعل لأنه كان على سفر.

وبينما كان الرسول عائدًا من غزوة تبوك إلى المدينة أوحى الله له بخبر مسجد الضرار؛ فبعث الرسول بهدمه قبل وصوله ونزل قوله تعالى في سورة التوبة « والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون* لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين».

وقد كان ابنه حنظلة يعانى معاناة نفسية شديدة بأن يكون أبيه على هذه العداوة من الإسلام وهو فى معاناته تلك يشبه رفيق دربه ونسيبه ( أخو زوجته فيما بعد) عبدالله بن عبدالله بن أُبي بن سلول رضي الله عنه ابن رأس النفاق ( عبد الله بن أبى بن سلول) الذي لقي منه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمرين، للدرجة التى سأل الرسول فيها فى أحد الأيام (يا رسولَ الله أقتُل أبي؟ فأجابه «لا تقتُلْ أباك».

قصته:

أسلم مع قومه الأنصار لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان من المصدقين ويعد في الطبقة الثانية للصحابة، وَآخَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين حنظلة بن أبي عامر وشمّاس بن عثمان بن الشَّريد المخزومي.

يروى عن حنظلة رضي الله عنه أنه خطب لنفسه جميلة بنت عبدالله بن أُبي بن سلول، وشقيقة صاحبه عبدالله رضي الله عنهما، واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن يدخل بها فأذن له، فكانت ليلة عرسه هي نفس ليلة غزوة أحد، فبعد أن زُفت إليه جميلة، وأفضى حنظلة- رضي الله عنه- إلى عروسه في أول ليلة، سمع منادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يهيب بالمسلمين أن يخرجوا إلى أحد، فترك حنظلة عروسه، ونسي فرحته الصغرى طمعاً في الفرحة الكبرى المتمثلة في مجاهدة الكفار والفوز بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، فشغله الصوت عن كل شيء، وأعجلته الاستجابة السريعة حتى عن الاغتسال، والتحق حنظلة برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوي الصفوف...

وخرج مع المجاهدين إلى أرض المعركة ، وأشهر سيفه في وجه العدو ، وشاط في رماح القوم ، وقاتل قتالا شديدا ، قتال من لا يخشى الموت ، حتى كادت المعركة على الإنتهاء أتته ضربة غادرة ، فوقع شهيدًا رضي الله عنه وأرضاه .

وبعد انتهاء الغزوة تفقد الرسول الصحابة من الشهداء والجرحى ، وعندها رأى رسول الله أن الملائكة تغسل حنظلة ، وقال عليه الصلاة والسلام : " إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض ، بماء المزن في صحاف الفضة " .

قال أبو أسيد الساعدي وهو أحد الصحابة : ذهبنا فنظرنا إليه فإذا رأسه يقطر ماء .

ولما سألوا زوجته عما حدث ، قالت : خرج وهو على جنب لما سمع منادي الجهاد ، ونسي أن يغتسل .

فسمي من ذلك الحين (غسيل الملائكة )، ثم لحدوه ووضعوه في القبر ، وبينما الصحابة الكرام كانوا يحفرون له قبره ليدفنوه ، رأى سيدنا عمر بن الخطاب بللاً في يديه ، فشمها فإذا هي رائحة المسك ، وبقيت هذه الرائحة عالقة في يد عمر أسبوعاً أو أكثر ، ثم عفروه بالتراب .

وحين كان وقت دفن حنظلة ، رأى الصحابة أن سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم  كان يمشي على أطراف أصابع قدميه ، فسألوه عن ذلك فقال : " ما وجدت مكاناً أضع فيه قدمي من كثرة الملائكة التي غطت بين السماء والأرض " ، وقال صلى الله عليه وسلم : أنه رأى زوجات حنظلة من الحور العين وقد جئن يرحبن به ، ويأخذنه من الدنيا وتعبها.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن شهداء أحد ومنهم : حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وسعد بن الربيع، وأنس بن النضر، وحنظلة بن أبي عامر وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. فلما رآهم صلى الله عليه وسلم قال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يُصَلّ عليهم، ولم يُغَسَّلوا) رواه البخاري.

حنظلة رضي الله عنه مفخرة للأوْس:

عن أنس رضي الله عنه قال: " افتخر الحيّان من الأنصار: الأوس والخزرج، فقالت الأوس: مِنَّا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب (حنظلة بن أبي عامر)، ومنّا من اهتز له عرش الرحمن: سعد بن معاذ، ومنا من حمته الدّبر (النحل) عاصم بن ثابت بن أبي الأفلج، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت ، وقال الخزرجيون: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجمعه غيرهم: زيد بن ثابت، وأبو زيد، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل".

رضى الله عنهم أجمعين وسبحان من أخرج من ظهر الفاسق -الذى يناصب الإسلام العداء- صحابيا جليلا خدم الإسلام فى مهده و قدم روحه رخيصة فى سبيله يوم عرسه....