حريق القاهرة عام 1952 ( الحلقة 2/2)

فى يوم 26 يناير الماضى كانت الذكرى التاسعة والستون لحدث هام فى التاريخ المصرى، وقد تكون تكلفة هذا الحادث سواء البشرية أو المادية أقل وطأة من حوادث أخرى وقعت فى التاريخ المصرى، إلا أن هذا الحادث ينفرد بعدة خصوصيات وهى أنه قبله بيوم واحد كانت أحداث طاحنة أخرى تدور رحاها فى بقعة أخرى من أرض مصر وهى التى خلدها الشعب وجعلها عيدا للشرطة المصرية ، وكذا أعقبها تبعات على الحكومة المصرية التى تسارعت وتيرة تغييرها لرقم لم تعهده مصر من قبل، وكذا اعتبرها المؤرخون من ضمن الإرهاصات التى عجلت بحركة الضباط الأحرار فى عام 1952 ، فإلى المقال.....

حريق القاهرة عام 1952 ( الحلقة 2/2)

حريق القاهرة عام 1952 ( الحلقة 2/2)

الحلقة الأولى من هنا

فى يوم حريق القاهرة 26 يناير 1952:

بدأت المأساة في الثانية من صباح ذلك اليوم بتمرد عمال الطيران في مطار ألماظة ( القاهرة )  الذين رفضوا تقديم الخدمات لأربع طائرات تابعة للخطوط الجوية الإنجليزية ، تبعها تمرد بلوكات النظام (البوليس) في ثكنات العباسية تضامنا مع زملائهم الذين تعرضوا للقتل و الأسر في الإسماعيلية  فى اليوم السابق.

ثم زحف متظاهرون تجاه الجامعة و انجرف معهم الطلبة ، و اتجهوا إلي مبني رئيس الوزراء مطالبين بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا و إعلان الحرب عليها ، فأجابهم عبد الفتاح حسن وزير الشئون الإجتماعية بأن حكومة الوفد ترغب في ذلك و لكن الملك يرفض ، فقصد المتظاهرين قصر عابدين وانضم إليهم طلبة الأزهر وتجمعت حشود المتظاهرين الساخطين علي الملك و أعوانه و الإنجليز .

عند إنتصاف اليوم، بدأت الشرارة الأولى للحريق من ميدان الأوبرا باشعال النيران في كازينو أوبرا ، و انتشرت النيران في فندق شبرد و نادي السيارات و بنك باركليز ، و غيرها من المتاجر و مكاتب الشركات و دور السينما و الفنادق و البنوك ، وكان التركيز علي الأماكن والملاهى الليلية و المؤسسات ذات العلاقة بالمصالح البريطانية .

 و طالت الحرائق أيضاً أحياء الفجالة و الظاهر و القلعة و ميدان التحرير وميدان محطة مصر ، وسادت الفوضى و أعمال السلب و النهب ، حتي نزلت فرق الجيش إلي الشوارع قبيل الغروب ، فعاد الهدوء إلي العاصمة واختفت عصابات السلب و النهب ، وأعلنت الحكومة الأحكام العرفية ، و لكن لم يتم القبض علي أى شخص في هذه اليوم .

اختلفت الروايات في عدد قتلى ذلك اليوم العصيب نتيجة الحرائق و الشغب ، و ذكر المؤرخ جمال حماد في كتابه " أسرار ثورة 23 يوليو" عدد 26 شخص قد لقى حتفهم في ذلك اليوم ، 13 منهم في بنك باركليز ، 9 فى الترف كلوب ، و الباقي داخل بعض المبانى و الشوارع ، كما دمرت النيران ما يزيد عن 700 منشأة موزعه كالاتى :

التهمت النيران 700 مكان ما بين محلات وسينما وكازينو وفندق ومكتب ونادٍ في شوارع وميادين وسط المدينة ، أكبر وأشهر المحلات التجارية في مصر آنذاك  مكتبًا لشركات كبرى و117 مكتب أعمال وشقق سكنية و13 فندقًا كبيرًا مثل شبرد ومتروبوليتان وفيكتوريا و40 دار سينما منها ريفولي وراديو ومترو وديانا وميامي و8 محلات ومعارض كبرى للسيارات و10 متاجر للسلاح و73 مقهى ومطعم وصالة و92 حانة و16 ناديًا ، أى أن النيران أحرقت كل المظاهر الحضارية للقاهرة وشلت كل مراكز التجارة بها .

في نفس ذلك اليوم، تصادف وجود حفلة ملكية بمناسبة مولد صاحب السمو ولي العهد، واتصل فؤاد سراج الدين وزير الداخلية بالملك يطلب منه الاستعانة بالجيش للسيطرة على الحريق لأن الأمر أصبح فوق طاقة الحكومة وفوق طاقة البوليس، لكن حيدر باشا وزير الحربية تلكأ فى التدخل مما جعل الموقف يتفاقم أكثر ....

عواقب حريق القاهرة:

فى ليلة الحادثة، اجتمع مجلس الوزراء وقرر مواجهة الموقف بإعلان الأحكام العرفية في جميع أنحاء البلاد ووقف الدراسة في المدارس والجامعات إلى أجل غير مسمى ، وتم تعيين مصطفى النحاس باشا حاكمًا عسكريًا عامًا ، وبسبب عجز وزارة النحاس فيما بعد عن السيطرة على البلاد قام الملك فاروق بإقالتها، ونتيجة لذلك هدأت الحرب قليلا مع الإنجليز، بينما ازداد التوتر والسخط السياسى فى البلاد داخليا...

حكومات قصيرة الأمد تتابعت:

حكومة  على ماهر: ( من 27  يناير 1952 حتى 1 مارس 1952)

حكومة أحمد نجيب الهلالي الأولى: (من 1 مارس 1952 حتى 2 يوليو 1952)

حكومة حسين سرى باشا "20 يوما"، تشكلت الوزارة من 2 وحتى 22 يوليو 1952، وتفجرت خلالها أزمة الجيش بحل مجلس إدارة نادى الضباط، الذي تم انتخابه برئاسة محمد نجيب تحديا لإرادة القصر.

حكومة أحمد نجيب الهلالي الثانية : (من 22 يوليو 1952 حتى 24 يوليو 1952)

ويظل حريق القاهرة أكثر الحوادث غموضا في تاريخ مصر ولا أحد يدري حتى الآن من قام به ؟ هل رتبته قوات الاحتلال البريطاني لتوقف المقاومة ؟ أم بدأ عفويًا تلقائيًا ؟ وكان تعاقب تلك الأحداث هى الشرارة التى أشعلت ثورة 1952، ودفعت الضباط الأحرار إلى التعجيل بثورتهم بعد أقل من 6 أشهر على حريق القاهرة...