حريق القاهرة عام 1952 ( الحلقة 1/2)

فى يوم 26 يناير الماضى كانت الذكرى التاسعة والستون لحدث هام فى التاريخ المصرى، وقد تكون تكلفة هذا الحادث سواء البشرية أو المادية أقل وطأة من حوادث أخرى وقعت فى التاريخ المصرى، إلا أن هذا الحادث ينفرد بعدة خصوصيات وهى أنه قبله بيوم واحد كانت أحداث طاحنة أخرى تدور رحاها فى بقعة أخرى من أرض مصر وهى التى خلدها الشعب وجعلها عيدا للشرطة المصرية ، وكذا أعقبها تبعات على الحكومة المصرية التى تسارعت وتيرة تغييرها لرقم لم تعهده مصر من قبل، وكذا اعتبرها المؤرخون من ضمن الإرهاصات التى عجلت بحركة الضباط الأحرار فى عام 1952 ، فإلى المقال.....

حريق القاهرة عام 1952 ( الحلقة 1/2)

حريق القاهرة عام 1952 ( الحلقة 1/2)

إرهاصات ما قبل حريق القاهرة:

  • فى عام 1936، وعقب وفاة الملك فؤاد وإعتلاء الملك فاروق للعرش مع وجود وصاية لحين بلوغه السن القانونية ، شكل حزب الوفد الوزارة نظرا لفوزه فى الانتخابات البرلمانية، وطالب حينئذ بإجراء مفاوضات مع بريطانيا بشأن التحفظات الأربعة فى تصريح 28 فبراير 1922 ( وهى : تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية فى مصر/ الحق فى الدفاع عن مصر ضد أى إعتداءات أو تدخلات خارجية./ الحق فى حماية المصالح الأجنبية في مصر وحماية الأقليات./ الحق في التصرف فى السودان.) ، ولكن الحكومة البريطانية تهربت مما أوجد إضطرابا سياسيا اضطرت معه بريطانيا للتراجع والدخول فى مفاوضات بقيادة السير مايلز لامبسون المندوب السامى البريطانى ومعاونيه وهيئة المفاوضات المصرية، واشترطت إنجلترا أن تكون المفاوضات مع كل الأحزاب حتى تضمن موافقتها جميعا.
  • شاركت كل الأحزاب فيما عدا الحزب الوطنى الذى رفع شعار " لا مفاوضة إلا بعد الجلاء"، وبدأت المفاوضات التى انتهت بوضع المعاهدة المصرية البريطانية عام 1936 فى 26 أغسطس 1936 م، و التى تسمى كذلك ب" معاهدة صدقى – بيفن" نسبة إلى رئيسى الوزراء اللذين قادا المفاوضات، ووقع مصطفى النحاس باشا معاهدة الصداقة والتحالف بين مصر وبريطانيا عام 1936 فى لندن والتى أقرت انسحاب القوات البريطانية من أراضى مصر كلها وتمركزها فى منطقة قناة السويس وحدها، فى مقابل وجود عدة التزامات من مصر تجاه بريطانيا إذا تعرض القنال للخطر.
  • بعد قيام الحرب العالمية الثانية ، تم تفعيل شروط المعاهدة التى فرضت على مصر أعباء باهظة أثناء الحرب، وقد وعدت بريطانيا مصطفى النحاس بالجلاء الكامل عن مصر بعد الحرب مكافأة لها على الالتزام بتعهداتها.   
  • انتهت الحرب العالمية فى عام 1945 ولكن بريطانيا تلكأت فى الانسحاب من القناة، ثم قامت حرب فلسطين 1948، مما دعا المصريون لتأجيل مطالبهم للإنجليز بالانسحاب لحين نهاية تلك الحرب التى للأسف انتهت بكارثة عسكرية ألا وهى هزيمة الجيش المصرى فى فلسطين عام 1948.
  • عقب تلك الهزيمة، ازداد التوتر السياسى فى مصر، فاضطر الملك فاروق للدعوة لانتخابات برلمانية اكتسحها حزب الوفد وتولى مصطفى النحاس رئاسة الوزراء مرة أخرى، الذى حاول التفاوض مع الإنجليز فى البداية لكنهم رفضوا الانسحاب من القناة.
  • أعلنت حكومة الوفد فى 16 يناير 1950 على لسان رئيس الوزراء النحاس باشا، أنه لا مناص من تقرير إلغاء المعاهدة ، فهى بالرغم من أنها أخرجت القوات البريطانية من القاهرة، إلا أنها أبقتها فى منطقة قناة السويس، وكان الرأى العام يطالب بضرورة إلغائها، لأنها تعطى لمصر استقلالًا منقوصًا، كما أنها بمثابة إعتراف من حكومة مصر وقبول منها بوجود الاحتلال البريطانى على أراضيها.
  • أعلن النحاس يوم 8 أكتوبر 1951 إلغاء معاهدة 1936 وملحقاتها، وسط تأييد حافل من نواب الحكومة والمعارضة وقال: "من أجل مصر وقعتها ومن أجل مصر ألغيها"، معلنا أن وجود القوات البريطانية في منطقة القناة أصبح غير شرعى وأن الحكومة المصرية لم تعد مسئولة عن حمايتهم، معلنا كذلك دعم الحكومة للفدائيين فى منطقة القناة، وبذلك اندلعت الحرب ضد الإنجليز لتحرير منطقة القناة.
  • فى 21 أكتوبر 1951، اتخذ مجلس الوزراء مجموعة من القرارات تعبر عن جدية الحكومة فى قرار إلغاء المعاهدة، حيث قررت الحكومة إتخاذ جميع السبل المؤدية إلى عدم تعاون العمال المصريين مع القوات البريطانية، وصرف أجور هؤلاء العمال، وتوفير الأعمال البديلة لهم، كما قررت إمكانية مقاومة القوات البريطانية إذا ما اجتازت منطقة القناة، مهما كانت النتائج، والدفاع عن القاهرة حتى النهاية.
  • امتنع عمال السكك الحديدية فى منطقة القناة عن نقل الجنود البريطانيين ومهماتهم، كما امتنع عمال الشحن والتفريغ عن تفريغ البواخر البريطانية فى موانئ القناة، كما توقف المتعهدون عن توريد الخضراوات واللحوم والمستلزمات الأخرى الضرورية لإعاشة 80 ألف جندى وضابط بريطانى، وأضرب العمال فى المعسكرات البريطانية بمنطقة القناة وانسحبوا منها وضحوا بأجورهم منها، فسارعت حكومة النحاس بإلحاق هذه العمالة بالوزارات الحكومية وصرفت لهم أجورهم، كما أعلنت الحكومة عن فتح مكاتب لتسجيل أسماء عمال المعسكرات الراغبين فى ترك عملهم مساهمة فى الكفاح الوطنى فسجل 90 ألف عامل أسماءهم فى الفترة من 16 أكتوبر 1951 وحتى 30 نوفمبر 1951.
  • أدى إلغاء المعاهدة إلى إلغاء الإمتيازات والإعفاءات التى كانت تتمتع بها القوات البريطانية الموجودة فى مصر، مثل: إلغاء جميع الإعفاءات المالية التى تشمل الرسوم الجمركية على المهمات العسكرية والأسلحة والعتاد والمؤن، وكذلك الرسوم المستحقة على السفن التى تمر بالمياه المصرية لخدمة القوات البريطانية ، وبدأ فدائيون مسلحون من كافة أطياف الشعب شن حرب عصابات ضد الإنجليز فى منطقة القناة مدعومين من الحكومة المصرية وكانت الخسائر البريطانية نتيجة العمليات الفدائية فادحة، وخرجت المظاهرات الحاشدة تجوب شوارع القاهرة والإسكندرية ومدن القناة والمدن الكبرى تضم الآلاف من الطلبة والعمال تنادى بالجلاء ووحدة مصر والسودان.
  • فى نفس الوقت كان حزب المحافظين المتشدد قد فاز فى الانتخابات البريطانية، وبدأت بوادر التشدد البريطانى تظهر فى تصدى قوات الاحتلال البريطانى للمظاهرات المصرية بإطلاق النيران على المتظاهرين ما أدى إلى مصرع وإصابة العديد منهم.
  • قررت بريطانيا أن تتخذ عددًا من الإجراءات والتدابير لإجبار حكومة الوفد عن التراجع عن موقفها، كان أولها هو قيامها بعملية "هدم كفر أحمد عبده" بالسويس فى أوائل ديسمبر 1951 فى عملية استعراضية ضخمة، اشترك فيها 250 دبابة و500 مصفحة، وعدد من الطائرات، وكانت تهدف من ورائها إلى إظهار الحكومة المصرية بمظهر الضعف، ومحاولة إمتهانها والنيل منها، وتحطيم روح المقاومة الشعبية عند المصريين.
  • قام كذلك عدد من عملاء بريطانيا فى القاهرة بإشعال النار فى كنيسة بمدينة السويس أثناء غارة بريطانية على المدينة فى 4 يناير 1952، كمحاولة لتأجيج الفتنة الطائفية بين عنصرى الأمة ولكنها لم تفلح، كما هاجم الإنجليز بلدة " التل الكبير" فى 13 يناير 1952 بدعوى أنها تأوى بعض الفدائيين الذين كانوا يهاجمون معسكراتهم فى هذه الناحية.
  • ردت الحكومة المصرية على هذا العمل المستفز بسحب السفير المصرى من لندن، وطرد جميع المواطنين البريطانيين من خدمة الحكومة المصرية، وإصدار تشريع جديد يقضى بتوقيع عقوبات على المتعاونين مع القوات البريطانيين، وإباحة حمل السلاح.

معركة الإسماعيلية فى 25 يناير 1952 ( عيد الشرطة المصرية):

رد الإنجليز على هذه التداعيات كان عنيفا للغاية، ففى صباح يوم الجمعة 25 يناير 1952 استدعى القائد البريطانى بمنطقة القناة " البريجادير أكسهام" ضابط الاتصال المصرى هناك وسلمه إنذارًا بأن تسلم قوات البوليس المصرية بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية، وتجلو عن دار المحافظة والثكنات، وترحل عن منطقة القناة كلها، إذ أن القوات البريطانية كانت ترغب فى التخلص من الوجود الشرعى الوحيد للحكومة المصرية فى منطقة القناة حتى تحقق سيطرة كاملة على المنطقة، وفى الوقت نفسه كانت تريد التخلص من بلوكات النظام لأنها كانت تساعد قوات الفدائيين ضدها و تعرقل جهودها فى تعقب الفدائيين الذين كانوا يحتمون فى بيوت الأهالى.

وبالطبع رفضت المحافظة الإنذار البريطانى وأبلغته إلى وزير الداخلية آنذاك ( فؤاد سراج الدين) الذى أقر موقفها وطلب منها الصمود وعدم الاستسلام، وبلغ عدد القوات البريطانية التى حاصرت مبنى محافظة الإسماعيلية والثكنات 7 آلاف جندى مسلحين بالرشاشات والدبابات والمدرعات، فى مقابل 700 ضابط وجندى مصرى من بلوكات النظام مسلحين ببنادق خفيفة.

ورفض قائد بلوكات النظام أحمد رائف تسليم أسلحته وصمم على الدفاع عن مبنى المحافظة وتحصن مع قواته داخل المبنى وثكناته، ونتيجة لذلك اقتحم الإنجليز الإسماعيلية وحاصرت الدبابات والمصفحات البريطانية مبنى المحافظة، وتم دك مبنى المحافظة وثكنات بلوكات النظام بالمدفعية ونيران الدبابات، واستخدم البريطانيون كل ما معهم من الأسلحة فى قصف مبنى المحافظة وقاوم الجنود المصريون حتى نفدت آخر طلقة معهم بعد ساعتين من القتال، وسقط منهم 50 شهيدًا وأصيب نحو 80 آخرين وتم أسر الآخرين، وقد أدى القائد الإنجليزى التحية العسكرية لهم تقديرا لصمودهم....

                                                                                                                                                                                               يتبع فى الحلقة الثانية......