جمهورية زفتى والوطنية الصادقة

لا شك أن المشاعر الوطنية عندما تكون صادقة وبريئة، فإنها فى بعض الأحيان قد ينتج عنها مشاهد قد تبدو متسرعة أو ساذجة ولكنها تنم فى الوقت نفسه عن إخلاص القائم بها ورغبته الفعلية فى تنفيذ مهمة جليلة لفائدة وطنه، مما يدعو من يقرأ التاريخ إلى تسجيل تلك الواقعة بكل تقدير وإحترام ولعل الدراما أيضا تنهل من هذه الوقائع ما يصلح تنفيذه كفيلم أو مسلسل، وحكاية "جمهورية زفتى " وبطلها " يوسف الجندى" هى التجسيد الأمثل لكل ذلك، فإلى المقال.....

جمهورية زفتى والوطنية الصادقة

جمهورية زفتى والوطنية الصادقة

تبدأ قصتنا بأنه فى يوم 8 مارس 1919، قد تم القبض على سعد زغلول ورفاقه ثم تم نفيهم لاحقا لتبدأ إحتجاجات عنيفة فى مصر.

 وأخذت الاحتجاجات بمدينة زفتى منحى مختلفا حيث أعلن يوسف الجندي( الطالب بكلية الحقوق والذي تزعم مجموعة من الشباب الذين كانوا مزيجا من الطلبة والعمال والفلاحين)، الانفصال عن مصر وإقامة جمهورية زفتى في 18 مارس من مقهى مستوكلي، وكان صاحبه يونانيا، بميدان بورصة القطن في المدينة.

وصار ذلك المقهى مقر قيادة الجمهورية الوليدة. وقام الجندي( الذي تولى الرئاسة)، ورفاقه بتشكيل لجنة ثورية (المجلس البلدي الحاكم) والتي قررت الاستيلاء على مركز الشرطة في المدينة فزحفت الجموع، مسلحة بالبنادق القديمة والعصي والفؤوس، نحو المركز فقام مأمور المركز الضابط اسماعيل حمد، والذي كان متعاطفا مع الثورة، بتسليم المركز للثوار.

واستولت جموع الثوار في المدينة على محطة السكك الحديدية، وعربات السكة الحديد التي كانت مشحونة بالقمح، ومبنى التلغراف، وأصدرت الثورة صحيفة "جمهورية زفتى" من مطبعة محلية كان صاحبها شاب يدعى محمد أفندي عجيبة.

وتم تشكيل لجنة للأمن ضمت القادرين على حمل السلاح بقيادة الضابط حمد، وكان الجميع قد استجابوا لدعوة حمل السلح ووصل الأمر الى درجة توسل رجل يدعى سبع الليل - من الخارجين عن القانون وكان يتزعم عصابة مسلحة تروع البلدة والقرى المجاورة- كي يسمحوا له بالانضمام لهم.

وعندما علم الإنجليز بما حدث أرسلوا قوة للاستيلاء على البلدة عن طريق كوبرى ميت غمر، لكن تصدى لها الأهالي فارتدت القوة على أعقابها. وعندما علم أهالي زفتى بأن هناك قطارا قادما إلى البلدة محمل بمئات الجنود والعتاد العسكرى قام سبع الليل ورجاله بقطع قضبان السكة الحديد.

ووصلت أنباء ما حدث في زفتى للقاهرة بل وعبرت البحار إلى لندن لدرجة تحدثت الصحف البريطانية عن استقلال زفتى التي رفعت علما جديدا.

 وعلى أثر ذلك أعلن في القاهرة عن تسيير فرقة أسترالية لإخضاع البلدة المتمردة فسارع أهلها إلى حفر خندق حولها، ولكن القوة الأسترالية حاصرتها حتى استسلمت في 29 مارس بعد "انفصالها" لنحو 10 أيام.

ولقد أسفرت ثورة 1919 بتداعياتها المتلاحقة ومن ضمنها واقعة " إعلان إستقلال جمهورية زفتى" عن إصدار تصريح 28 فبراير عام 1922 الذي أعلنت بمقتضاه بريطانيا إنهاء حمايتها على مصر، وأن مصر دولة مستقلة ذات سيادة، وتحول مصر من سلطنة لمملكة، مع الاحتفاظ بحق تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية في مصر، وحماية الأقليات، والإبقاء على الوضع في السودان، والدفاع عن مصر ضد التدخل الأجنبي حسب التصريح، ولكن ماذا حدث لبطلنا الحالم "يوسف الجندى " ؟

يوسف أحمد الجندي وشهرته يوسف الجندى هو سياسي وحقوقي مصري وكان أبرز المساهمين في حركة النضال ضد الإنجليز في مدينة زفتى التابعة لمحافظة الغربية وقد ولد بها في عام 1893م وإشتهر وهو طالب في كلية الحقوق بمناقشاته الثورية وتم فصله من الكلية بسبب مواقفه ضد الإنجليز.

 وبعد إخماد بركان إنتقاضة مدينة " زفتى"، أرسلت السلطات المحتلة تعليمات لتسوية الأمور بشروط منها أن يسلم أهالي زفتى 20 رجلا منهم كي يتم جلدهم حفاظاً على هيبة الدولة وهنا إستيقظ الخونة الذين خافوا مغبة دخول الإنجليز فأرادوا أن يتنصلوا مما حدث في بلدتهم ومعهم الذين يريدون الكيد لمن تصدوا لقيادة الحركة وأخذ هؤلاء وهؤلاء يرسلون خطابات إلى السلطات في مصر يبلغون عن أسماء الزعماء وكل من حمل معولا أو ألقى خطابا أو طبع بيانا أو ألهب السخط في صدور الفلاحين وكان مأمور المركز إسماعيل افندى حمد بخبرته الإدارية يعرف ما يحدث منهم فكان ينفرد بالخطابات البريدية كل ليلة في حجرة مغلقة يفضها واحدا واحدا ويتخلص من كل رسالة تنطوي على وشاية أو كيد كما أنه تدخل في الأمر وتوسط بين القوة والمجلس البلدى الحاكم ونصح الأهالي بالكف عن المقاومة إبقاءا علي المدينة وأذن للقوة بدخولها علي أن لا تتدخل في شئون الإدارة إذ تحمل هو مسئوليتها فدخل الجند المدينة وعسكروا في بحريها وقبليها وأخذوا يبحثون عن أعضاء المجلس البلدى الحاكم فلم يرشد إليهم أحد وحظرت القوة علي الآهالي التجول في المدينة من غروب الشمس إلي مطلع الفجر وبعد نقاش طويل ومفاوضات قرر المجلس البلدى للثورة تسليم 20 رجل تم إختيارهم من الوشاة وعملاء الإنجليز الذين يعرفهم إسماعيل أفندى حمد وجلد الإنجليز عملاءهم وبعد مرور يومين تم فك الحصار عن المدينة وإنهاء الجمهورية وتلقت الفرقة من القاهرة أوامر أخرى تطلب –القبض علي يوسف الجندي والذى كان تحت جنح الليل قد تسلل إلى قرية دماص المجاورة وإختبأ في دوار العائلة ومكث فيه لفترة وقبض الإنجليز على بعض رفاقه وإحتجزوا شقيقه عوض الجندي رهينة حتى يقول لهم أين يختبأ يوسف ولم يطلقوا سراحه إلا بعد أن تأكدوا من أنه حقا لا يعرف مكان أخيه ولكن عندما تأكد للجميع أن الأمر قد إنتهى قاموا بتهريبه هو ورفاقه إلى عزبة سعد زغلول باشا والواقعة في قرية مسجد وصيف وإستقبلتهم أم المصريين السيدة صفية هانم زغلول وقامت بإخفائهم في أماكن مختلفة حتى أفرج عن سعد زغلول باشا ورفاقه يوم 17 أبريل عام 1919م ومن يومها ذاعت شهرة يوسف الجندى وأصبح من أكبر رجال السياسة والبرلمان المصري وعقب إنتهاء ثورة عام 1919م وإعلان دستور عام 1923م وإجراء أول إنتخابات برلمانية في مصر في ظل هذا الدستور والتي أسفرت عن فوز حزب الوفد بالأغلبية وتم تكليف سعد زغلول باشا بتشكيل أول وزارة شعبية في مصر قام بإختيار يوسف الجندي ضمن تشكيله الوزارى لكن الملك فؤاد رفضه بسبب ما سببه من مشاكل ولكنه إنتخب عضوا في البرلمان وتولى منصب نائب زعيم المعارضة في مجلس الشيوخ.

حياة يوسف الجندى الشخصية:

تزوج يوسف الجندي وأنجب إثنين من الأبناء هما الكاتب السياسي والإجتماعي أحمد يوسف الجندي وإسماعيل يوسف الجندي وقد تم إطلاق إسمه علي أحد الشوارع بمنطقة باب اللوق بوسط مدينة القاهرة وعلي شارع آخر في منطقة مدينة نصر وفي بلدته زفتي وذلك تخليدا لدوره الوطني المشهود له في مقاومة الإحتلال الإنجليزي وقد توفي في عام 1941م عن عمر يناهز 48 عاما وما يزال منزله في بلدته زفتى موجودا شاهدا علي نضال هذا الرجل الوطني ضد الإحتلال الإنجليزى وهو يتكون من ثلاث طوابق على شكل فيلا ويحيطه الشجر من الخارج والداخل وبه سور كبير وبجواره مدرسة كبيرة .وقد تم تجسيد واقعة ( محاولة الإستقلال بزفتى) فى مسلسل تليفزيونى من تأليف يسرى الجندى وإخراج إسماعيل عبد الحافظ عام  1998 إلا أنه لم يحالفه التوفيق لأسباب فنية.