النظافة بين أوروبا القديمة والمسلمين

لا شك أنه وبمجرد أن تطأ قدما أحد الأشخاص - المرتحلين من إحدى البلدان العربية أو الإسلامية- أرض دولة أوربية أو غربية إلا وتصيبه الدهشة من فرط النظافة التى يجدها فى الشوارع وهذه الخضرة التى لا يخلو منها أى شارع ورائحة الأزهار التى تفوح فى الأرجاء وتلك المبانى المتناسقة الألوان والمراحيض العامة المتعددة والتى لا يخلو منها شارع والتى تتسم جميعها بنظافة تماثل تلك التى يتم الحرص عليها فى المنازل، وهذه الدهشة ما تلبث أن تتحول إلى حالة من السخط عند مقارنة ذلك بما يجده فى بلاده، ولكن عذرا ومع إتفاقى على هذا الحاضر إلا أننى أجد ماضيا رائعا فيما يخص النظافة لنفس تلك الدول التى ننقم منها الآن حالها، بل على العكس كانت عادة النظافة فى الدول الإسلامية والعربية وعبر قرون عدة بعد صدر الإسلام هى التى يتعلم منها هؤلاء الغرب، بل قد كان ذلك الغرب هو مضرب المثل فى القذارة وفى كل نقيصة تتعلق بالنظافة الشخصية، فإلى ثنايا المقال.....

النظافة بين أوروبا القديمة والمسلمين

النظافة بين أوروبا القديمة والمسلمين

" النظافة من الإيمان" هى عبارة تعلمناها صغارا وتواترت من أحاديث الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، إذ أن الإسلام - وبمجرد ظهوره - قد جعل من النظافة الشخصية لأتباعه جزء أصيل من أركان ذلك الدين فلا تصح صلاة إلا بوضوء وتم بيان الأسباب التى قد تنقض ذلك  الوضوء، وجعل الغسل من السنن المستحبة قبل صلاة الجمعة، وحبب كذلك فى تنظيف الأسنان بالسواك ( وهو ما يماثل معجون الأسنان فى عصرنا الحالى)، وغير ذلك الكثير مما لا يتسع المقام لذكره، وفى نفس ذلك الوقت كانت أوروبا وكذا الأرجاء التى لم يأتيها الإسلام ترزح فى عادات لا تبالى البتة بالنظافة، فقد كان دخول المسلمين لأوروبا عبر بوابة الأندلس وقرطبة ( أسبانيا حاليا) هو أول عهد هؤلاء الأشخاص برؤية آخرين يحرصون على أن يمس الماء أجسادهم ( سواء فى صورة وضوء أو إستحمام) فى فترات متعددة من اليوم وكذا يطهرون ثيابهم بإستمرار ويحرصون على نظافتها وغير ذلك....

أوروبا القديمة:

الأوروبيون كانوا كريهى الرائحة بشكل لا يطاق من شدة القذارة ويقول الكاتب ساندور ماراى فى كتابه اعترافات بورجوازى:  " إن الأوربيين كانوا يعتبرون أن الاستحمام كفرا، ووصف مبعوث روسيا القيصرية ملك فرنسا لويس الرابع عشر بقوله: إن رائحته أقذر من رائحة الحيوان البرى".. وكانت إحدى جواريه تدعى دى مونتيسبام تنقع نفسها فى حوض من العطر حتى لا تشم رائحة الملك!!!!

الروس أنفسهم وصفهم الرحالة أحمد بن فضلان أنهم: "أقذر خلق الله حيث إنهم لم يكونوا يستنجون من بول ولاغائط"، وكان القيصر الروسى (بيتر) يتبول على حائط القصر فى حضور الناس!!!

يقول العلامة محمد تقى الدين الهلالى المغربى فى ترجمته لكتاب "مدنية المسلمين بإسبانيا" للعالم الأمريكى الشهير جوزيف ماك كيب فى معرض كلامه عن إيزابيلا ملكة قشتالة (الملكة إيزابيلا الأولى) التى قتلت المسلمين فى الأندلس لم تستحم فى حياتها إلا مرتين، وقامت بتدمير الحمامات الأندلسية، ومنع الملك فيليب الثانى الإسبانى الاستحمام مطلقا فى بلاده، وابنته إيزابيل الثانية أقسمت أن لا تقوم بتغيير ملابسها الداخلية حتى الانتهاء من حصار إحدى المدن، والذى استمر ثلاث سنوات؛ وماتت بسبب ذلك، فهذا عن سيرة الملوك، فماذا كان حال العامة؟؟؟

و قد اشتهرت باريس بالعطور الفرنسية وقد كان السبب الرئيسى فى اختراعها هو أن تذهب  بسببها الرائحة النتنة الموجودة فى أجسام الناس، وقد كانت هذه القذارة سببا فى أن تتفشى فيهم الأمراض، وكان مرض الطاعون ينتشر فيهم، حيث حصد نصفهم أو ثلثهم بين فترة وأخرى، وكانت أكبر المدن الأوروبية كـ"باريس" و"لندن" مثلا يصل تعداد سكانها 30 أو 40 ألفا بأقصى التقديرات، بينما كانت المدن الإسلامية تتعدى حاجز المليون،

 وكان الهنود الحمر يضعون الورود فى أنوفهم عند  لقائهم بالغزاة الأوروبيين بسبب رائحتهم التى لا تطاق .

فضل العرب والمسلمين:

يقول المؤرخ الفرنسى دريبار: " نحن الأوروبيون مدينون للعرب بالحصول على أسباب الرفاهية فى حياتنا العامة، فالمسلمون علمونا كيف نحافظ على نظافة أجسادنا، فإنهم كانوا عكس الأوروبيين الذين لا يغيرون ثيابهم إلا بعد أن تتسخ وتفوح منها روائح كريهة، فقد بدأنا نقلدهم فى خلع ثيابنا وغسلها، وكان المسلمون يلبسون الملابس النظيفة الزاهية حتى أن بعضهم كان يزينها بالأحجار الكريمة كالزمرد والياقوت والمرجان...."

كانت الحمَّامات العامة والحمّامات الخاصة شائعة فى العالم الإسلامى. وما زالت آثارها شاخصة إلى اليوم، فحمام (شامبرليتاش Chamberlitash) العام قرب السوق الكبير Grand Bazar فى أسطنبول ما زال قائمًا ومزارًا يوميًّا لاستحمام الآلاف من الأتراك والسياح والزائرين. وبينما تمتع الإسبان بالماء الساخن فى الحمّامات العامّة تحت ظل حُكم المسلمين فى الأندلس، كان أحد المؤرخين الإخباريين يزدرى الحالة الصحية البدائية عند الأوروبيين فى مواضع أخرى قائلاً: (الذين لا ينظفون أنفسهم ولا يغتسلون إلا مرة أو مرتين في السنة، وبماء بارد، وهم لا يغسلون ثيابهم بعد لبسها حتى تتساقط عنهم قطعة قطعة).

وبينما كان عند المسلمين أنظمةُ رى متقنة ومجارٍ تحت الأرض (للخلاء والمياه القذرة) مع مستوى عالٍ من النظافة الصحية، فعلى العكس من ذلك كانت الفضلات فى أوروبا تُلقى فى الشوارع مباشرةً، أو تفرَّغ فى الأنهار التى يشربون منها الماء.

وبعد الهلاك الذى حصل بسبب انتشار الطاعون الدّبْلىّ  Bubonic Plague، كانت هناك محاولات فى بعض مناطق أوروبا لتحسين الأوضاع الصحية والنظافة العامة، ولمنع ممارسة عادة رمى القمامة فى الشوارع العامة. لكنّ إنشاء مجارى المياه القذرة تحت الأرض لم يحدث فى أوروبا حتى بداية القرن التاسع عشر.