المزرعة الصينية (من بطولات حرب أكتوبر 1973)

قبل 47 عاماً من الآن كانت رمال صحراء سيناء هائجة تتحرك بكل اتجاه كأن زلزالاً ضربها، عندما اشتبكت مئات الدبابات وجها لوجه وفوهة لفوهة بفاصل يقل عن كم واحد، في ظلام دامس لم يضئه إلا وهج القذائف، بحسب شهادة جنرالات وجنود إسرائيليين تحدثوا عن ويلات رأوها بأم الأعين، في أكبر معركة دبابات وقعت منذ الحرب العالمية الثانية، وخلفت أكبر خسائر بالدبابات والمدرعات والأرواح للإسرائيليين بتاريخهم، حين اشتبكوا مع المصريين بتاريخ 15 أكتوبر ضمن حرب عام 1973، في معركة سميت "المزرعة الصينية" وقعت على الضفة الشرقية لقناة السويس، ورغم مرور نحو نصف قرن عليها إلا أنها لم تبح بكل أسرارها، فماذا حدث!؟

المزرعة الصينية (من بطولات حرب أكتوبر 1973)

المزرعة الصينية (من بطولات حرب أكتوبر 1973)

وسر تسمية المعركة بالمزرعة الصينية يرجع إلى أن المنطقة كانت في مزارع تجارب يابانية في سيناء، لكن الجنود الإسرائيليين عندما وجدوا أدوات ومعدات مكتوبا عليها باللغة اليابانية ظنوا أنها صينية ومن هنا أتى الاسم، وتمت المعركة بين لواء مشاة ميكانيكى للجيش المصرى وفرقتين مدرعتين مع كتيبة مظلات للجيش الإسرائيلى، وأبرز قادة المعركة من مصر سعد الدين الشاذلى وسعد مأمون وعبدالمنعم واصل وعبدالحميد عبدالسميع، ومن إسرائيل حاييم بارليف وإراهام آدان وأرئيل شارون وعوزى يائيرى وإسحاق موردخاى.

وبحسب كثير من الخبراء الإسرائيليين فإنها تعد واحدة من أكثر المعارك إثارة للجدل في إسرائيل، وتناولها العديد من العسكريين في سير ذاتية لهم مثل أرئيل شارون، وأفراهام برين، وحنوك بارتوف، ديفيد أليعازر وغيرهم، فضلا عن الفيلم الإسرائيلى التسجيلى «المزرعة الصينية»...

يبدأ الفيلم بسرد لأحد أبناء الجنود الإسرائيليين الذين نجوا من المعركة وهو إيهريل تيوب، وقد  قام هذا الإبن بتنفيذ الفيلم بعد مرور ٢٥ عاما من حرب أكتوبر أى فى عام ١٩٩٨، كان عمره ٩ سنوات عندما حدثت هذه المعركة ، ولأن والده عانى الكثير من الكوابيس التى يرى فيها أصدقاءه وهو يدفنهم في رمال سيناء، وصار معتل الصحة النفسية منذ عودته من سيناء، فقد قرر أن يبحث عن حقيقة ما جرى في تلك المعركة التي أدت إلى تلك الحالة الرهيبة التي وصل إليها والده، الغريب في الأمر أنه أثناء تصويره للفيلم فإن كل من تحدث معه ممن نجا لم يكن بحالة جيدة أيضا، والأخطر أنهم لم يذكروا كل الحقائق، وكأنها صندوق أسود لا يجب فتحه.

وصف الفيلم الإسرائيلى الجنود المظليين بأنهم كانوا ثعالب حرب، وكان من أبرز الجنود الإسرائيليين الناجين: شاؤول موفاز وإيهود باراك، وهما أهم من بحث عن دور سياسي عند عودتهما، سجل الفيلم مع جنود آخرين لم يسعوا لسلطة فى تل أبيب ومنهم أمير كيرن ( قائد سرية) الذى قال إنه يحاول أن ينسى كل ما حدث في تلك المعركة، ناتان شونارى ( قائد كتيبة ) رفض التحدث طيلة ٢٥ عاما حتى قام تويب بتسجيل الفيلم ووافق على التحدث والذى وصف المعركة بأنها كانت صدمة وغير متوقعة، وكان من المقرر أن يتم تصوير الفيلم الوثائقى في صحراء سيناء، وكان سيتم جمع جنود مصريين وإسرائيليين معا ولكن هذا التخطيط لم ينجح.

 أما ميخا بن عارى ( الملقب بأبو حرب العصابات الإسرائيلية ) والذي عمل في الموساد بعد عودته قال إنه كان من المفترض أن المظليين سيعبروا القناة وعند وصولهم فقد كان من المفترض أن يجدوا قوات إسرائيلية فى استقبالهم، ولكن بدلا من ذلك كان هناك جيشان مصريان ربما كان يقصد الثانى والثالث.

نوح كينارتى والذى خدم بعد عودته كمساعد لثلاثة رؤساء وزراء إسحاق رابين وشيمون بيريز وإسحاق موردخاى، فقد كان من أكثر الأشخاص التى ترى فى عيونهم الرعب أثناء التسجيل معه، وحاول التهرب من كل سؤال وعدم الرد عليه ،فهل ذلك بسبب تخوفه النفسى من السرد أو من خجله، لما لحق بهم من عار وهزيمة في تلك المعركة، إما لأنها أوامر عليا بألا يتحدثوا عن تلك المعركة، لكنه بالرغم من ذلك وصف الدبابات والمركبات و رائحة الجثث المحترقة المتفحمة والتى جعلت أوصالهم ترتعد.

دكتور نافتالى هداس لم يتحدث إلا عن دفنه للجنود الإسرائيليين، وأنه لا يجب التطرق إلى أكثر من ذلك عن المعركة. بينما قال أحد أفراد الطاقم الطبى الإسرائيلى إيلان وينير بشكل أكثر جرأة، لكنه متحفظ أيضا، حيث قال بالحرف الواحد إنهم كانوا يظنون أنهم الأقوى، ولا أحد يستطيع هزيمتهم، ولكن يبدو أن قادتهم أرسلوهم لقتال جيش أكثر احترافا منهم!!!، مضيفا أنهم عرفوا في تلك المعركة معنى الحرب، فقد كان الأمر مختلفا عما تدربوا عليه وأعطوا ظهورهم للجنود المصريين وهربوا، واصفا أحد جنود الجيش الإسرائيلى بأنه كان يبكى، وآخر أصيب بالشلل بسبب الصدمة.

الجندى الإسرائيلى يورام نهارى يامو، وصف الجندى المصرى بأنه كان أكثر جاهزية منهم وأفضل بكثير من أي جندى مظلى إسرائيلى، وعند التسجيل مع أرئيل شارون كان أكثرهم مراوغة، و كذا أمنون رشيف ( قائد لواء ١٤ )، الذى اعترف بأن القوات الإسرائيلية كانت تهرب من قوة الجيش المصرى، حيث وجدوا أنفسهم وسط كمائن نصبها آلاف الجنود المصريين.

والغريب في شهادات الناجين من المعركة هو اتفاقهم على قوة الجندى المصرى ووصفهم للأسلحة السوفييتية ومنها طائرات سوخوى وصواريخ فروج وساجر، وأسلحة كلاشينكوف ومدفعية تحرق كل الدبابات الإسرائيلية، والتساؤلات لماذا معظم من نجوا من المعركة الصينية تحديدا وصلوا إلى مناصب سياسية في إسرائيل عند عودتهم هل هي مقابل سكوتهم عن تفاصيل المعركة؟ ما هو سر الكوابيس والحالات النفسية التي وصل إليها الجنود المشاركون فيها؟

قالوا عن المعركة كذلك:

بعيدا عن الفيلم الوثائقى يقول يوريك فارتا ( أحد الجنود الذين نجوا من المعركة): «أعتقد أننى وزملائى أرسلنا إلى هذه المعركة لنكون طعاما للدبابات».

ويقول شوكى فاينشتين: «لقد كانت صواريخ آر بى جى الروسية مفاجأة الحرب المرعبة لسلاح المدرعات الإسرائيلى، لقد كانت مفاجأة كريهة بكل المقاييس، لم نتدرب على مواجهتها من قبل، كما لم نتدرب على تخليص جرحى في ميدان مكشوف، سماؤه تمطر صواريخ مصرية مفترسة».

أما الجنرال موشيه عفرى فقال: «لقد فاجأنا الجنود المصريون بشجاعتهم وإصرارهم، لقد تربى أبناء جيلى على قصص خرافية عن الجندى المصرى الذي ما إن يرى دبابة تنقض عليه حتى يخلع حذاءه ويبدأ في الهرب بعيدًا، وهذا ما لم يحدث فى معركة المزرعة الصينية، استيقظنا على الحقيقة المرة، لم تنخلع قلوبهم أمام الدبابات، كانوا يلتفون قى نصف دوائر حول دباباتنا، ويوجهون صواريخ (آر بى جى) في إصرار منقطع النظير، ليس لدى تفسير لهذا الموقف سوى أنهم كانوا سكارى بالنصر، وفى مثل هذه الحالة ليس للدبابة أي فرصة في المعركة».

وقال موشيه ديان، عقب زيارته للمزرعة الصينية يوم ١٧ أكتوبر ١٩٧٣ برفقة الجنرال أرئيل شارون: «لم أستطع إخفاء مشاعرى عند مشاهدتى لها، فقد كانت مئات من العربات العسكرية المهشمة والمحترقة متناثرة في كل مكان، ومع اقترابنا من كل دبابة كان الأمل يراودنى فى ألا أجد علامة الجيش الإسرائيلى عليها وانقبض قلبى، فقد كان هناك كثير من الدبابات الإسرائيلية».

ووصف ديان أيضا، فى مذكراته، قصة لقائه مع الكولونيل عوزى يائيرى ( قائد قوة المظلات الإسرائيلية ) التى شاركت في معركة المزرعة الصينية قائلا: «كنت أعرف عوزى جيدا منذ كان مديرا لمكتب رئيس الأركان في عهد الجنرال حاييم بارليف، وكنت أعرف أنه فقد كثيرا من رجاله فى المعركة، لكننى لم أتوقع أن أراه على هذه الصورة من الاكتئاب، وكان وجهه يحمل علامات حزن تفوق الوصف».

فتحية إلى كل من ساهم فى أن يذرف هؤلاء الدموع من عيونهم الوقحة.....

الفيديو: