الجاسوس رجب عبد العاطى

اشتهر الفيلم الذى جسد سيرة هذا الخائن بجملة صارت من أكلشيهات السينما المصرية وهى ( عاش خاين ومات كافر) وذلك فى فيلم ( بئر الخيانة) من إنتاج 1987 ومن بطولة النجم نور الشريف فى دور الجاسوس الخائن وعزت العلايلى فى دور الضابط الذى يتعقبه وأنه وبطبيعة الحال ولزوم الدراما فقد قام مؤلف الفيلم بتغيير بعض الأحداث وإضافة أخرى مع الحفاظ على الخط الدرامى المشابه للأحداث الحقيقية المأخوذة من ملف المخابرات العامة المصرية، فإلى المقال.....

الجاسوس رجب عبد العاطى

الجاسوس رجب عبد العاطى

1

ولد رجب عبد العاطى عام 1937 ، والده كان من التجار الأثرياء في الإسكندرية في هذا  الوقت، ورغم أن الحاج عبد المعطي كان تاجرا بمعنى أنه رجل فطنا إلا أنه أخطأ خطأ فادح في تربية ابنه رجب، إذ رباه تربية مدللة افسدته، فقد كانت كل طلباته أيا كانت مجابة، لتكون النتيجة لذلك أن فشل رجب فى التعليم، فقد أخفق أكثر من مرة في الحصول على الثانوية العامة.

وفي الواقع لم يكن رجب ليهتم بالتعليم، فقد كان يشعر- دون مبرر-  بأنه عبقري وذو عقلية فذة لا تحتاج إلى تعليم ولذلك قرر أن يترك الدراسة والتعليم ويتجه لمجال آخرألا وهو مجال التجارة .

توهم أنه يستطيع أن يصبح رجل أعمال كبير بدون شهادات دراسية – والحق أن كثيرين كانوا بالفعل كذلك ولكن حدث ذلك لهم جبرا دون إختيار- وكان يحلم بأن تكون له شركة للخدمات البحرية ولكن كان ينقصه المال لتحقيق ذلك الحلم وليس أى مال بل إنه مشروع يحتاج لرأس مال ضخم.

والده الحاج عبد المعطي كان يمتلك هذا الرأسمال الضخم، ولكنه كان يرى حماقة بالغة في كل تصرفات ابنه  جعلته يتوقع لها الفشل لذلك رفض أن يمول الشاب الطائش رغم محاولات رجب لإقناع والده الذى لخبرته كان يرى المستقبل بعينيه.

أصر عبد المعطي أن يكمل ابنه دراسته الجامعية وبعد تخرجه من الجامعة ينظر فى أمر مشروعه وإن كان راغبا عن إستكمال دراسته الجامعية فليلتحق إذن بعمل يكسب منه قوته، وبالفعل عمل رجب ككاتب حسابات في ميناء الإسكندرية.

استمر الشاب في عمله 3 سنوات اكتسب خلالها الكثير من الخبرات من خلال الاحتكاك بالعمل والحياة العملية، وظل حلمه القديم يراوده وهو "شركة رجب للخدمات البحرية." ولكنه حتى وإن كان قد تطور عمليا إلا أنه كان ما يزال طائشا و تحت ضغوط الأهل والأصدقاء، رضخ الحاج عبد المعطي لطلبات رجب وأعطاه بضعة آلاف من الجنيهات ( وهو مبلغ ضخم في هذا الزمن عام 1966 تقريبًا )، وقد كان الرجل يعض شفتيه من الندم ويشعر بالمرارة في حلقه وهو يعطيه المال لأنه كان يتنبأ بالنتيجة.

وبالفعل أنشأ الشاب الطائش الشركة التي يحلم بها وبدأ العمل ولكن قلة الخبرة والرعونة في العمل أدت لفشل ذريع للشركة وبدأت تتراكم الديون على رجب وشركته.!!!!

جاء العام 1967 ليحمل كارثة على العالم العربي ومصر كلها وكذلك على رجب وشركته  فقد مرت البلاد بحالة من الكساد زادت الطين بلة ، وفي النهاية اضطر رجب لتصفية الشركة ومع وجود آلاف الجنيهات من الديون عليه قرر شيء ما آخر ألا وهو الهروب من البلاد....

2

بين ليلة وضحاها كان رجب على ظهر سفنية متوجهة إلى اليونان وقد قرر أن يبدأ حياة جديدة هناك.

 في ميناء "بيريس" اليوناني أقام رجب في بنسيون اسمه "بروتاجوراس " وبدأ يبحث عن عمل لكن كان فاشل في كل شيء وتنعدم لديه المواهب سواء العقلية أو الحرفية.

ضاقت به السبل فلجأ لبحار يوناني كان يعرفه من الإسكندرية وأوهمه أنه يقوم بعقد صفقة تجارية وفي حاجة للمال وبالفعل أخذ منه مبلغ كبير وفي اليوم التالي كان يمر إلى أثنيا العاصمة، وفي العاصمة قابل رجب مئات المصريين يعملون هناك في أعمال مختلفة .

كان المصريون في اليونان يعملون في أي عمل يوفر لهم المال من مصدر شرعي لكن رجب كان ينظر لتلك الأعمال بنظرة دونية  إذ أنه دائما

كان يشعر بأن عقله وعبقريته لا تتناسب مع تلك الأعمال وأنه لا يجد من يفهمه ويستغل عبقريته !!!! وكان من ضمن من قابلهم رجب من المصريين في أثنيا شاب مصري من سوهاج يعمل في مصنع للعصائر هناك.

 عندما علم الشاب بحاجة رجب للعمل عرض عليه التوسط له عن صاحب المصنع للعمل معه، لكن رجب رفض بالطبع ذلك العمل التافه وعلى المقهى حكى للشاب عن أسرته في الإسكندرية وشركته السابقة هناك .

وييدو أن الشاب الصعيدي كان يعرف تلك النوعية من البشر لذلك فقد طلب منه أن يعود إلى أسرته في الإسكندرية وأن ينصت لنصائح والده ويبدأ العمل التجارى فى بلده تحت إشراف والده، كما حذره من شيء بدا غريبًا بالنسبة له ...

طلب الشاب من رجب أن يحذر من السقوط فريسة في أيدي رجال المخابرات الإسرائيلية الذين تمتلأ بهم المدينة واليونان كلها و الذين يبحثون عن الشباب العربي العاطل لاصطياده وتجنيده مقابل مبالغ كبيرة.

في ذلك اليوم عاد رجب إلى البنسوين الذي يقيم فيه في أثنيا دون أن يجد عمل يناسب عبقرتيه الفذة، ورأى كذلك أنه من المستحيل أن يعود إلى الإسكندرية حيث ينتظر الدائنون وسيضطر لمواجهة نظرات السخرية والإزدراء من والده الذى دائما يراه فاشلا ليس له فائدة...

بدأت النقود التي سرقها من البحار اليوناني تنفذ، وضاقت عليه السبل، وفجأة اضاءت جملة قالها الشاب الصعيدي في عقله وجاءته فكرة جنونية وإذ بالنصيحة - التى هدف من خلالها الشاب الصعيدى تحذيره من خلالها من مغبة الصعلقة فى أثينا - تتحول إلى هدف يريد هو تحقيقه ولا غرابة فى ذلك فنحن حيال شاب بلا مبادىء ولا أخلاق ولا وطنية ولا دين...

ها هو يمسك الورقة والقلم ويبدأ فى كتابة رسالة إلى أعداء وطنه!!!!!!

3

" السيد المبجل / سفير دولة إسرائيل في أثينا، أنا موظف مصري أقيم في بنسيون زفيروس. ضاقت بي الدنيا وظلمتني في الإسكندرية وفي أثينا. قال لي البعض إنكم تمدون يد المساعدة لكل من يلجأ إليكم وأنتم الملجأ الأخير لي. فأرجو أن أنال عطفكم واهتمامكم.

                                                       رجب عبد المعطي أثينا ٢٧-١٢-١٩٦٧"

كتب  رجب الرسالة وعنده شعور أنه لن يخسر شيء، ومتى فعل ذلك؟ فعلها الوغد بعد أقل من ست شهور من النكسة ولم تجف بعد دماء آلاف الشهداء المصريين والعرب في سيناء وفلسطين والجولان وجنوب لبنان، وكانت لا تزال أصداء العار الذي لحق العرب في نكسة 1967 تتردد في أركان العالم الأربعة....

كتب الرسالة وأرسلها بالفعل للسفارة الإسرائيلية هناك وانتظر ثلاثة أيام مرت عليه كثلاثة قرون في ظل الظروف التي يمر بها وفي إنتظار رد الإسرائيليين كى يحقق – كما يتوهم- كل أحلامه دفعة واحدة.

في اليوم الثالث كان مندوب السفارة الإسرائيلية ينتظره في صالة إستقبال البنسيون.

لم يصدق رجب نفسه وقتها، واصطحبه الإسرائيلي إلى مقر السفارة وهناك سألوه عما يريد منهم فأخبرهم أنه يريد عمل في أثنيا يدر عليه الكثير من المال.

أحضر له مندوب السفارة أوراق وقلم وطلب منه أن يكتب سيرة حياته ويذكر فيها كل شيء عنه وعن أسرته وعمله السابق وأهله ومعارفه وكل شيء عن أي شيء يخصه.

عندما راجع الإسرائيليون معلومات رجب وعرفوا أنه كان يعمل في ميناء الإسكندرية أدركوا أنهم وقعوا على صيد ثمين وطلبوا منه أن يكتب لهم ما يعرفه عن ميناء الإسكندرية وأهميته الاقتصادية والعسكرية.

وهذا ما فعله رجب  الذى استفاض في إستعراض معلوماته عن أدق دقائق الميناء.

ويبدو أن ما كتبه رجب كان هامًا بالفعل فقد قام الإسرائيليين بسداد فاتورة البنسيون كاملة ونقلوه إلى فندق فخم وأعطوه مبلغ كبير.

خلال الأيام التالية قضى رجب وقته بين النوم نهارًا و بين السهر والتنقل ليلاً بين الملاهي الليلة.

 وكان ضابط الموساد المسئول عن رجب كان يدعى أبو إبراهيم.

خلال مقابلات أبو إبراهيم مع رجب اختبره في كل شيء وقد وجد عنده استعداد لفعل أي شيء بدون تحفظ في مقابل المال، ولمدة أيام ترك الإسرائيليون رجب يغرق في ملذاته في أثنيا وكانوا يعطونه الكثير من المال وليس فقط المال ولكنهم احضروا له فتاة ترافقه.

بعد أيام من التواصل بين رجب والإسرائيليين طلبوا منه حضور اجتماع هام في السفارة الإسرائيلية، وقد حضر الاجتماع 4 من ضباط الموساد من أثينا وواحد جاء من فيينا خصيصًا من أجله.

وهناك كانت المفاجأة..

4

"سوف تسافر إلى إسرائيل "

وقعت الجملة على مسامع رجب كالقنبلة.

لقد سارت الأمور بمعدل سريع جدًا بالنسبة لقصة الجاسوس رجب عبد المعطي، إذ أن ثقة الإسرائيليين فيه وإعداده للسفر إلى إسرائيل قبل حتى بداية مهمته الأساسية في يعني شيئين أولهما هى ثقتهم المطلقة في كونه خائن بالفعل وسوف يكون عميل هام لهم في مصر، وثانيهما انبهار الموساد بكم المعلومات التي أدلى بها رجب عن ميناء الاسكندرية .

أما رجب نفسه فلم يتوقع أن تسير الأمور معه بتلك الطريقة وخاصة كما قلنا أن نكسة يونيو  لم يمر عليها سوى شهور قليلة، لكنه كان بالفعل قد تورط حتى النخاع ولا يمكنه أن يتراجع.

في الواقع هو لم يرغب في التراجع بعد أن ذاق طعم الأموال الكثيرة السهلة، وأثناء الاجتماع أحضروا له ماكيت مصغر لميناء الإسكندرية وطلبوا منه تحديد موقع مكتبه وأماكن أخرى، وأخذ رجب يشرح لهم بالتفصيل كل معلوماته عن الميناء  ويحدد لهم أماكن مخازن التشوين التجارية ورصيف الميناء الذي يستقبل السفن الحربية السوفيتية و سفن الشحن التي تجيء بالأسلحة المختلفة من ميناء أوديس السوفييتي على البحر الأسود ومخازن تشوين السلاح المؤقتة وبوابات التفتيش ومداخل ومخارج الميناء.

اقتنع ضباط الموساد برجب بدرجة كبيرة جدًا،  وفي نهاية المقابلة أخذوا له صور شخصية وطلبوا منه جواز سفره .

في اليوم التالي تسلم جواز سفر إسرائيلي باسم " دافيد ماشول " وهو شخص إسرائيلي الجنسية، يسكن في تل أبيب، وتسلم مع جواز السفر تذكرة سفر على شركة العال الإسرائيلية " من أثينا إلى تل أبيب....

في اليوم التالي أوصله المندوب الإسرائيلي إلى المطار وهناك ركب طائرة العال المتجهة إلى تل أبيب…..

5

رغم كل شيء، فقد كانت تعتريه رهبة ورجفة كلما اقتربت الطائرة من الوصول إلى مطار تل أبيب، وعندما جلس في المقعد وأغمض عينيه، مر شريط حياته أمامه منذ وعي على الدنيا حتى وجد نفسه في طائرة متجهة إلى قلب عدو قومه وأهله.

ذهب إليهم خائنًا بائعًا لكل شيء.....

هبطت الطائرة في المطار وهناك كان في انتظاره سيارة سوداء مسدلة الستائر فيها ثلاثة رجال اصطحبوه بعيدًا من بوابة بعيدة عن بوابات خروج الركاب.

تجولت السيارة في شوراع تل أبيب حتى وصلت إلى بيت منعزل على أطراف المدينة وهناك تركوه بضعة ساعات للراحة ثم حضر من يصطحبه إلى مبنى الموساد وهناك كان في استقباله عدد من ضباط المخابرات الإسرائيلية الذين بدأوا فى استجوابه عما كتبه من قبل عن ميناء الإسكندرية.

بعد ساعات من الاستجوابات والتحقيق أعدوا له حفل استقبال حافل رحبوا به ثم منحوه رتبة رائد في المخابرات الإسرائيلية.

وبعدها لمدة 15 يوم بدأ برنامج تدريبي مكثف للجاسوس إذ قاموا بتدريبه على إرسال واستقبال الرسائل بالحبر السري وكيفية تلقي رسائل مشفرة على موجة راديو خاصة .

بعد تأكدهم من استيعابه لكل ما تم تدريبه عليه أخبروه بأنه سوف يعود إلى الإسكندرية لاستئناف العمل في شركة " رجب للخدمات البحرية " وأنهم سوف يعطونه الأموال التي يعيد بها أحياء الشركة.

6

في أثناء ذلك، كانت تقيم مع رجب عملية للموساد اسمها "زهرة" تجيد العربية ، والتى كانت تلازمه كظله للتأكد من كل تحركاته وتصرفاته.

إنتهى وقت التدريب والإقامة في تل أبيب وكان عليه أن يعود إلى أثينا .

كانت خطة الموساد تقضي بأن يختلط رجب بأوساط المصريين في أثنيا وينشر بينهم أنه يقوم بأنشطة تجارية تعود عليه بمبالغ مالية كبيرة، كما كان عليه أن يوصل تلك الفكرة إلى الإسكندرية وإلى أهله على الأخص.

وهذا ما فعله رجب بالفعل  فور وصوله إلى أثنيا.

بعد وقت أرسل لوالده خطابات يخبره أنه يعمل في شركة تجارية كبرى تقدم خدمات بحرية مثل شركته السابقة وأنه يربح مبالغ  طائلة وقد تحسنت أموره.

 وقد صدق والده كلامه وطلب منه العودة إلى مصر وإعادة فتح شركته والعمل بها لكن رجب طلب منه أن ينتظر بعض الوقت إذ كان يقوم بدور آخر في أثنيا ..

اختلط الخائن بأوساط المصريين هناك وبدأ يظهر بمظهر المصرى الشهم الخدوم الذى لا يتردد عن تقديم أية خدمة لمن يطلبها منه و من تلك الخدمات كان يساعد الشباب على إيجاد عمل في أثنيا.

كان رجب يصطحبهم إلى مقر شركات تجارية خاصة في أثنيا والتى كانت في الواقع مملوكة للموساد حيث كان يبحث ضباط المخابرات الإسرائيلية بينهم عن أى شخص خائن من نوعية رجب يصلح للعمل معهم !!!.كما كان يدخل معهم في نقاشات وحوارات عن أحوال مصر ويكتب تقارير عنها للموساد.

مر عام على وجود رجب في أثنيا وجاء وقت عودته الإسكندرية...

7

في سبتمبر 1968 ، عاد رجب إلى الإسكندرية بعد أن أقام  له المصريون في أثنيا حفل وداع في فندق وزعم لهم أنه عائد لمصر للعمل هناك وإفادة بلده بخبراته  التى اكتسبها....

وفي الاسكندرية كانت أسرته في قمة السعادة به وكان والده البسيط المخدوع يشعر بفخر بابنه العبقري النابغة الذي خالف تنبؤاته، و بدأ رجب بدوره يقص عليهم قصص مكذوبة – تم إعدادها من الموساد- عن عبقرتيه التي جعلت اليونانيين يثقون فيه ويضعونه في مكانة عالية.

قام رجب بإعادة افتتاح مقر شركته القديمة ولكن هذه المرة بعد أن انفق مبالغ ضخمة على ديكورات وكماليات مبهرة، وحضر الافتتاح اهله وأصدقاؤه وبعض الصفحيين كما نشر في الصحف وخاصة جريدة الأهرام إعلان عن افتتاح الشركة وكان كل ذلك مقصود ومخطط له من قبل من الموساد...

خلال وقت قصير من الافتتاح أصبحت شركة رجب هى الوكيل التجاري لعدد من الشركات العالمية العاملة في مجال التجارة البحرية بمساعدة المخابرات الإسرائيلية، وبالفعل ازدهرت أعماله بشدة وأصبحت شركة رجب لها اسمها الهام بعد أن أصبح بها عدد كبير من الموظفين والعاملين والعملاء.

وفي وسط هذا الزحام من العملاء والوكلاء والخطابات الواردة والصادرة كانت تأتيه تعليمات الموساد من أثينا بتكليفه يجمع معلومات عن موضوع ما وكان رجب يقوم بدوره بكل حماس ونشاط في خدمة الأعداء.

وبسبب التوكيلات الشهيرة التي حصل عليها أصبح شخصية شهيرة في ميناء الإسكندرية فكان يدخل ويخرج بسهولة كما حرص على تقوية علاقاته بالموظفين والعاملين في الميناء . وفي وضعه هذا لم يشك أحد في تحركات الجاسوس ولا أسئلته عن اي شيء في الميناء .

وللأسف استطاع رجب نقل كل ما يحدث في ميناء الإسكندرية إلى قلب الموساد بالتفصيل المذهل حتى أنهم لم يصدقوا أنفسهم وهم يطالعون كل هذا الكم من المعلومات الدقيقة التي تتدفق  عليهم من مصر .

مرت حوالي ثلاثة سنوات على رجب وشركته التي توسعت وتضخمت أعمالها بشدة في مصر حتى أصبح رجب نفسه شخصية ينظر الكل إليه بإعجاب وانبهار لما حققه من نجاح باهر في فترة زمنية قياسية لكن كان لابد من نهاية للخيانة فما هى؟

8

ذات يوم استيقظ رجب على خبر سقط على رأسه كالصاعقة وهو بدء عبور الجيش المصرى فى يوم النصر والفخار... يوم 6 أكتوبر 1973....

صاعقة هبطت فوق رؤوس الإسرائيليين وحلفاؤهم من الأوربيين والأمريكيين  وعلى رؤوس الخونة مثل رجب عبد المعطي.

 كانت المخابرات الإسرائيلية توهم عملاءها أنهم قوة لا تقهر وأنهم يفوقون ذكاء العرب بمراحل ومن المستحيل كشفهم  وحتى لو حدث ذلك أى تم  كشف أي عميل فإنهم لا يتركونه و يحاولون الإفراج عنه أو استبداله، ويهدفون من ذلك إلى كسر أية بقية فى عقل الخائن قد تصرفه عن عمله الخسيس...

لم يصدق العالم كما لم يصدق رجب أن خط بارليف الرهيب يتم اختراقه بواسطة المصريين بخراطيم مياه من القناة !!!  أو أن العرب يتحدوا ويتم مهاجمة الإحتلال من أكثر من جهة.

وقتها تزلزلت الأرض تحت أقدامه وشعر أنها النهاية، وقضى رجب أسود أيام في حياته وهو ينتظر في أي لحظة اقتحام رجال المخابرات المصرية لمكتبه والقبض عليه.

أوقف رجب نشاطه تمامًا في تلك الفترة لكن للأسف ومع مرور الأيام بسلام بدأ يستعيد ثقته في نفسه ويعاود نشاطه وفي نفس الوقت عاود مكتب الموساد في أثنيا التواصل معه.

وهذه المرة كان يعمل بنشاط محموم، وكثرت تنقلاته داخل الميناء وكثرت أسئلته عن كل شيء وأي شيء داخل الميناء.وكثرت خطاباته إلى أثنيا.

مر حوالي عام على رجب بعد نصر أكتوبر وهو يمارس خياتته بكل همة ونشاط، بل وزاد من وتيرة ذلك، لكن كثرة خطاباته المرسلة إلى اليونان لفتت نظر ضابط مخابرات مكلف بمراقبة البريد الصادر والوارد إلى مصر.

وعند الكشف عن إحدى رسائله كانت المفاجأة..

هناك رسالة مكتوبة بالحبر السري مكتوبة في نفس الورقة مع رسالة عادية.

بدأت المخابرات المصرية تراقب  رجب بكل دقة وتتصفح كل رسائله وتقوم بتصويرها ثم إعادة غلقها وإرسالها إلى نفس العنوان.

كانت الرسائل موجهة لصديق وهمي اسمه ديميترويوس في اليونان.

إليكم نموذج لرسالة من رسائل رجب التي تمكنت المخابرات العامة من فك شفرتها ..

الرسالة العادية الظاهرة هى الآتى:

الإسكندرية 27/11/1974.

عزيزي ديمتريوس.

 تهنئتي القلبية بمناسبة عيد ميلادك السعيد، ولعلك الآن في أحسن حال بعد الوعكة الصحية التي أصبتم بها منذ ثلاثة أسابيع. فكيف حالكم الآن؟!!

 أحوالي على أحسن ما يرام، وأنوي إجراء بعض أعمال الديكورات الحديثة بمكتبي، على ذلك فسأتغيب لمدة أسبوعين على الأكثر على شاطئ البحر الأحمر ريثما ينتهي مكتب الديكور من عمله.

ولسوف أعاود بعد ذلك نشاطي بشكل أفضل بعد هذه الإجازة التي أتشوق اليها لأتمكن من صيد السمك بعيداً عن زحام العمل والتوترالمستمر من جراء المشكلات المتوقعة.

تهنئتي لك مرة أخرى وتحياتي وأشواقي.

                                                              رجب.

أما الرسالة المكوبة بالجبر السري فكانت ...

" سفن شحن متعددة من جنسيات مختلفة تدخل الميناء لتفرغ حمولتها من المواد التموينية بكثرة.

 أيضاً تأكدت من وصول سفينة تشيكوسلوفاكية تحمل معدات عسكرية في صناديق يصعب الاقتراب منها بسبب الحراسة المشددة، ولا زالت سفن عربية من الجزائر وليبيا تنزل حمولتها

من البطاطين والمواد الطبية وسفينة عملاقة تحمل علم بنما اسمها "ليليها مر” محملة بحوالي ٢٠٠ جرار زراعي ومعدات زراعية وميكانيكية مختلفة وسفينة سوفيتية تحمل معدات توليد كهرباء ضخمة وآلاف من الإطارات الكاوتشوك مقاسات مختلفة وموتورات رقم / 1041 "

بعد وقت من المتابعة وبعد أن اكتملت أركان القضية تمامًا، وفى يوم 13 يناير 1975 توجهت مجموعة من ضباط المخابرات إلى مكتب رجب في مقر الشركة ، وبشكل مباشر قدموا أنفسهم له وكانت الصاعقة التي وقعت فوق رأسه لتخسف به الأرض.

لسخرية القدر أثناء وجودهم في مكتبه أتى له ساعي البريد بخطاب ، أخرج له رجال المخابرات من مكتبه كتاب الشفرة وأدوات التجسس الأخرى وطلبوا منه أن يقرأ الرسالة.

أثناء توجهه معهم إلى مبنى المخابرات تذكر تأكيد المخابرات الإسرائيلية له أنهم جهاز لا يقهر ويستطيعون حمايته في أي مكان وابتسم بسخرية مريرة.

في مبنى المخابرات وأثناء استجوابه جاءته رسالة الموساد  المشفرة على موجة الراديو المحددة.

" ننتظر ردك على الرسالة التي وصلتك .. لا تتأخر، واستعد للسفر خلال شهر مارس إلى أثينا".

في مبنى المخابرات اعترف رجب بالخيانة وقص على ضباط المخابرات ما جرى معه بأدق التفاصيل منذ وصوله إلى أثينا عام 1968 حتى تلقى الخطاب الأخير في مكتبه.

الخاتمة والعقاب

تم تقديم رجب عبد المعطي للمحاكمة التي قضت عليه بالإعدام شنقًا .

وفي السجن اعتدى عليه المساجين وكادوا يقتلونه.

مضت عليه عدة أسابيع في السجن قبل تنفيذ الحكم تحول فيها إلى مسخ بسبب سوء حالته وتدهور صحته.

ذات يوم وقبل تنفيذ حكم الإعدام وجد السجان رجب ملقى وسط بركة من الدماء وقد استخدم عدسة نظارته في قطع شريانه.

                                                       وهكذا كانت نهاية الخائن.