ابراهيم وانشراح والسقوط فى الهاوية

لقد كان المسلسل التليفزيونى الذى يجسد سيرتهما المخزية يحمل اسم ( السقوط فى بئر سبع)، ولكنى أراه سقوطا إلى هاوية سحيقة فى قاع بئر ماؤه الآسن هو خليط من كل الصفات القبيحة مثل الخيانة والبيع للدين والوطن واللامبالاة بقتل الأبرياء والعلاقات المحرمة فى سبيل الأموال الحرام، ولقد تسبب هذين الشخصين بدناءتهما فى إستشهاد الفريق عبد المنعم رياض والذى أضحى يوم إستشهاده عيدا للمحارب والشهيد المصرى، وعندما أتى القدر لإنشراح موسى بثمة طوق نجاة يصلها بتوبة إلى الله وتفتح من خلاله صفحة جديدة للحياة بصحبة أبناءها وذلك عندما قام الرئيس السادات بالعفو عنها، فإذا بها - وبطبع وأخلاق مقززة تأبى على التغيير- ترتضى أن تعود مجددا للإرتماء فى أحضان كيان لم تر منه إلا كل غدر ببنى جلدتها من مصريين وعرب، ولأنه لا يصلح الله عمل المفسدين، فلم تفلح أموال الكيان أو غيره فى جعلها سعيدة إذ ماتت مكتئبة تشعر فى كينونة نفسها بالضعة ، فإلى قصة الجاسوسين إبراهيم شاهين وإنشراح موسى.....

ابراهيم وانشراح والسقوط فى الهاوية
ابراهيم وانشراح

ابراهيم وانشراح والسقوط فى الهاوية

الزوج ابراهيم شاهين :

هو غزاوى مهاجر إلي مصر، يعمل في مديرية العمل بمدينة العريش، متزوج من إنشراح موسي المصرية ولديهما ثلاثة أولاد  هم: نبيل ،محمد وعادل ...

يقيم إبراهيم وزوجته انشراح في العريش بينما أرسلا أبناءهم الثلاثة للدراسة في القاهرة والإقامة عند أحد أقاربهم.

في العام 1966 ، تم ضبط إبراهيم متلبسا بتلقي رشوة وسجن ثلاثة أشهر ،عقب خروجه تبدلت الحياة للأسوأ وتجنبه الناس .

وفجأة تقوم حرب 1967 وتحتل إسرائيل سيناء ، ويتضاءل الأمل في عودة الأسرة إلي القاهرة ورؤية الأبناء مما جعل انشراح تبكي ليلا ونهارا بينما كانت الأحوال المادية للأسرة في الحضيض.

ذهب إبراهيم لمكتب الحاكم العسكري الإسرائيلي طالبا تصريح للخروج إلي القاهرة , ويظل الإسرائيليون يماطلونه ويؤخرون التصريح يوما وراء يوم، وفي تلك الأثناء كانت المخابرات الإسرائيلية نشطة بشدة في أوساط المدنيين المصريين هناك ، ويبدو أن الأعين قد رصدت ابراهيم شاهين وقررت استغلال وضعه...

وعند أول زيارة إلي مكتب الحاكم العسكري الإسرائيلي استقبله بود وتبادل معه الحوار ثم أعطاه بعض المؤن الغذائية الإستثنائية بعد أن كاد الرجل وزوجته يموتا جوعا..

مرت بضعة أيام وتم استدعاء إبراهيم مجددا إلي مكتب الحاكم العسكري الذي أخبره أنه تم الموافقة علي سفره إلي القاهرة ولكن بشرط وياله من شرط وهو البداية لذلك الإنزلاق، فقد اشترطوا عليه أن يأتيهم بأسعار الخضر والفاكهة في القاهرة، ويبدو أن الاسرائليين قد درسوا ملف ابراهيم جيداً وعلموا أن له أخ يعمل في الاستيراد والتصدير.

والغريب أن إبراهيم كان طيعا فى موافقته والتقط الطعم  إذ وافق بلا تردد بل وعرض أن يرسل لهم أسعار الأسماك وأي سلع أخري يطلبونها..

وابتسم الإسرائيلي في ظفر، لقد وقع علي صيد ثمين...

في اليوم التالي حضرت سيارة إسرائيلية إلي بيت إبراهيم واصطحبته لمقابلة شخصية جديدة وهو أبو يعقوب ( ضابط المخابرات الإسرائيلى) الذي استقبله بحفاوة وعامله بترحيب كبير ، ومن خلال الحوار فهم أن إبراهيم يفهم أنه سوف يعمل مع الموساد ولا يمانع في ذلك !!!!

لم يكن الكيان الإسرائيلى ليتوقع أن يوافق أحدهم بهذه السهولة المتناهية حتى وإن كان فاسدا وله سابقة تقاضى رشوة، فهم يعلمون أنه حتى الفاسدين مهما بلغت دناءتهم فإنهم عند الوطن وخيانته لا يرتضونها مهما كان المقابل....

تم إرسال إبراهيم شاهين إلي بئر سبع لتلقي التدريبات اللازمة وهناك فعليا أصبح إبراهيم شاهين جاسوسا لإسرائيل..

وفي بئر سبع ،استقبله الإسرائيليون أيضاً بحفاوة كبيرة ووعدوه بالمال والحماية حتي في قلب القاهرة التي لهم فيها عملاء ،وخلال وقت قصير تدرب علي الكتابة بالحبر السري والتفريق بين الطائرات والأسلحة المختلفة،

وكذلك علموه كيفية إطلاق النكات للسخرية من القادة والجيش المصري، ثم أعطوه ألف دولار مكافأة بداية عمل .

ولأن الطيور على أشكالها تقع، فلم يكن غريبا أنه عندما عاد إبراهيم إلي زوجته انشراح موسي وأخبرها بما حدث مصطحبا معه الهدايا وواضعا النقود التى تحصل عليها فى يدها، أن يجدها تنبسط أساريرها وبدلا من ان تنهره من مواصلة ذلك الطريق الشؤم فإذا بها تشجعه بل وتعرض عليه مساعدته مقابل المال...

أصبحا جاسوسان وليس واحدا:

وانشراح من مواليد المنيا فى العام 1937، وحصلت على الشهادة الإعدادية عاد 1951 وكانت منذ صغرها تأنف من التعليم وتراه مسارا لن يحقق لها رغبتها السريعة فى الثراء، فعندما واتتها فرصة الزواج صغيرة فى السن، ارتضت وفرحت لأنها وجدت فى الزواج تحررا من سيطرة الأب وأنها من الممكن هى التى تتحول للسيطرة على من تتزوجه وقد كان، فقد كان ابراهيم يهتم بآراءها ويضعف أمامها، وهكذا فعندما وجد منها التشجيع فقد عاد بصحبتها إلي القاهرة، وهناك اعطتهما الدولة المصرية بيت في المطرية شأن كل المهجرين من محافظات القناة ، وعاد إلي عمله، وبدأ يمارس عمله في التجسس هو وزوجته بحماسة وكثافة غريبة فكانت الخطابات لا تنقطع إلي العناوين التي يرسلوا لها في أوروبا.

بالطبع أغدق عليهم الموساد بالمال، وبدأ الثراء يظهر عليهما، وانتقلت الأسرة إلي بيت جديد افخم ،  فقررا أن يقوما بعمل يخفي التجسس وبالفعل ...

قام الإثنان بالعمل في تجارة الملابس والأدوات الكهربائية، ونظرا لنشاطهما غير العادي في التجسس، قام الموساد باستدعائهما إلي روما عبر لبنان ، وهناك بدأت مرحلة أخري من التدريب،مرحلة أخطر وأكثر تقدما وانزلقت أقدام الاثنين في وحل الخيانة أكثر فأكثر...

تم التدريب علي استقبال الشفرة من خلال جهاز راديو، وعلي التصوير الضوئي  للمنشآت الهامة، وطلب منهما جمع معلومات عن الحالة المعنوية الجيش وعن الاسلحة التى فيه وكذلك إتجاهات الرأي العام بالنسبة الحرب مع إسرائيل وغيرها.

وفي تلك الزيارة وحتي نعلم درجة أهمية وخطورة الجاسوسين يكفي أن نعرف أن المخابرات الإسرائيلية قد منحت ابراهيم رتبة رائد وانشراح رتبة ملازم في جيش الدفاع الإسرائيلي!!!!

وعاد الجاسوسان إلي القاهرة محملين بتعليمات جديدة وآلاف الدورات وعشرات الهديا .

الغريب أن إبراهيم وانشراح قد جندا أولادهم الثلاثة للعمل معهما ، وأصبحت العائلة كلها جواسيس !!!

في ذلك الوقت كانت مصر تمر بحرب الاستنزاف وكانت الطائرات الإسرائيلية تقصف مواقع عسكرية وحتي مدنية هامة جداً في العمق المصري، تم تحديد بعضها بناءا علي معلومات وردت من أسرة الجواسيس، وقد ساهمت معلومات قد أرسلاها فى إستشهاد الفريق عبد المنعم رياض عندما عرفا بميعاد زيارته للجبهة...

سافر الإثنان أكثر من مرة إلي أوروبا وفي كل مرة كان الموساد يدربهما علي طرق تجسس وجمع معلومات، ورغم النجاح الكبير لأسرة الجواسيس إلا أنهم فشلوا في الحصول علي أهم معلومة في تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية إذ كانت إسرائيل تتوقع أن يقوم العرب بالحرب لتحرير أرضهم بل كانت علي يقين من ذلك ولكن السؤال هو متي؟

وقد وعد ضباط الموساد إبراهيم وأسرته بمكافأة قدرها مليون دولار لو حصلوا علي تلك المعلومة ،كان المطلوب وقتها ارسال برقية من كلمتين فقط " يوم  ....."

بالطبع كان الرقم مهولا بمقاييس سبعينات القرن الماضي ، ولكن ذلك لم يحدث ووقعت الحرب علي النحو الذي نعلم .

وبعد هزيمة إسرائيل ، سادت موجة من الغضب والتغييرات في قيادات أجهزة المخابرات هناك ، وفي العام 1974 تم استدعاء إبراهيم إلي إسرائيل..

وهناك حضر اجتماع علي مستوى عال مع قيادات من المخابرات الإسرائيلية، واستضافه نائب مدير المخابرات الإسرائيلية بنفسه ، وكانت مهمة ابراهيم هذه المرة هي أن يأتي بأي معلومة مؤكدة في حالة تكرار مصر الحرب ، و فى هذه المرة تم إبلاغه بأن التواصل سوف يكون عن طريق جهاز إرسال صغير في حجم كف اليد  وهو أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا في العالم ولكنه كان باهظ السعر، وللتأكد من دخول الجهاز إلي مصر، أوصله عميل آخر إلي السويس وهناك استلمه منه إبراهيم، وفور عودتهما إلي القاهرة ،أرسلا رسالة تجريبية منه ، وكانت تلك الرسالة هي بداية النهاية لأسرة الجواسيس...

إكتشافهما:

التقطت المخابرات المصرية الرسالة عبر جهاز روسي متطور كان لديها يسمي ( صائد الموجات)، وبدأت تبحث  عن مصدر الإرسال، خلال وقت قصير كانت قد حددت مكان منزل ابراهيم شاهين، وبعد جمع المعلومات اللازمة عنه، تأكد المصريين أنه هو الجاسوس المطلوب، وقاموا بمهاجمة المنزل والقبض علي ابراهيم وأولاده والعثور علي الجهاز الا أن مشكلة واجهتهم هى أن إنشراح موسى أو الملازم دينا لم تكن معهم فى البيت، بل كانت ما تزال فى تل أبيب إذ ذهبت بناءا علي استدعاء عاجل من الموساد....

و هكذا ظلت المخابرات المصرية في منزل إبراهيم عدة أيام حتي عادت انشراح وتم القبض علي الجميع ووضعهم في السجن ..

هى فى الجرائد الإسرائيلية

العقاب:

وتمت محاكمة الخونة فحكم علي الزوجين بالإعدام وعلي الإبن الأكبر نبيل بالاشغال الشاقة المؤبدة ، بينما أودع الآخرين إصلاحية الأحداث..

وفي ديسمبر عام 1977 تم تنفيذ حكم الاعدام في إبراهيم شاهين.

بينما تم الإفراج عن انشراح والأبناء الثلاثة، وتسليمهم إلي إسرائيل في عام 1978 في صفقة تبادل جواسيس .

وانتقلت أسرة الجواسيس إلي مرحلة أخري...

النهاية المعنوية لكل خائن:

كانت الملازم انشراح تتوقع أن تعيش في اسرائيل في الجنة للدرجة أنها إرتضت تغيير ديانتها الإسلام والدخول فى الديانة اليهودية هي وأبنائها الثلاثة وحملوا أسماء يهودية هي بالترتيب:

دينا بن ديفيد/ يوشي،/ حاييم / رافي .

ولكن مفاجأة العمر أو لنقل صدمة العمر جاءت من الكيان الذى باعت انشراح نفسها ووطنها ودينها من أجله إذ  عاملها الاسرائيلون باحتقار ، ونظروا لها كخائنة لوطنها، ولم يهتم أحد لأمرها وأولادها، وكان أن اضطرت للعمل كعاملة نظافة في دورة مياه عمومية للسيدات في مدينة يافا، بينما تفرق أولادها وعمل كم منهم في أعمال متدنية !!!!

وهاهى تلك السيدة تتوفى فى نوفمبر من عام 2021  فى تل أبيب كيهودية عن عمر يناهز 87 عام، ويقول المحيطون بها أنها طالما عانت من إكتئاب منذ سنوات...
وقد أنتج التلفزيون المصري فى تسعينات القرن الماضى مسلسلا بعنوان ( السقوط في بئر سبع ) بحكي القصة كاملة وقبلها ببضع سنوات كانت الصحف الإسرائيلية قد سربت القصة للصحافة هناك لتنشرها كانتصار لها رداً علي نشر المصريين لقصة العميل رفعت الجمال ، والمسلسل كان من إخراج نور الدمرداش وقام بدور إبراهيم الفنان سعيد صالح، وقامت بدور إنشراح الفنانة إسعاد يونس....