إغتيال يوسف السباعى

قسم جديد يعرض لأشهر الإغتيالات السياسية عبر التاريخ، ولجوء الأفراد أو الجماعات لإرتكاب عمليات الإغتيال مرده أحد أمرين أحدهما أن الذى يتم إغتياله هو إصلاحى مما يوغر أعداء الإصلاح عليه فيريدون قتله لإيقاف مسيرته الإصلاحية، والأمر الآخر أن شخصية من يتم إغتياله قد بلغت من الإيذاء والتجبر والصلف والغرور حدا يجعل الناقمون عليه كثر وهم لا يجدون ثمة وسيلة لإبعاده عن المشهد مما يضطرهم لإرتكاب الإغتيال وهو جريمة نكراء لا شك، وسنعرض من خلال المقالات لأشهر قصص الإغتيال عبر التاريخ ، ,ومع رابع الحلقات فى هذه السلسلة وهو حادث إغتيال الأديب يوسف السباعى ، فإلى المقال.....

إغتيال يوسف السباعى

إغتيال يوسف السباعى

من هو يوسف السباعى؟

أديبٌ ومفكرٌ مصري راحل وأحد الرواد القلائل للرواية العربية في العصر الحديث، فهو أحد العلامات البارزة في الحياة الأدبية والفكرية والثقافية. وعلى الرغم من أنّ انضمامه إلى الكلية الحربية صقل شخصيته بالصرامة، إلا أنه امتلك قلبًا رقيقًا مكّنه من صياغة أروع القصص الاجتماعية والرومانسية التي نسج خيوط شخصياتها لتصبح في النهاية روايةً عظيمة تقدم للجمهور سواء كان قارئًا أو مشاهدًا للأعمال السينمائية، وبالإضافة لهذا كله كان دبلوماسيًا ووزيرًا متميزًا.

ولد فى 17 يونيو 1917م، فى منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة ، التحق بالكلية الحربية فى نوفمبر عام 1935،، وتمت ترقيته إلى درجة الجاويش وهو فى السنة الثالثة، وبعد تخرجه من الحربية تم تعيينه فى سلاح الصوارى وأصبح قائدًا لفرقة من فرق الفروسية.

بدأ اهتمامه بالأدب فى مدرسة شبرا الثانوية كان يجيد الرسم وبدأ يعد مجلة يكتبها ويرسمها وتحولت المجلة إلى مجلة للمدرسة بعد أن أعجبت إدارة المدرسة بمجلة التلميذ يوسف محمد السباعى، وأصبحت تصدر باسم "مجلة مدرسة شبرا الثانوية"، ونشر بها أول قصة يكتبها بعنوان "فوق الأنواء" عام 1934م، وكان عمره 17 عاما ولإعجابه بها أعاد نشرها فيما بعد فى مجموعته القصصية "أطياف" 1946م.

عمل كمدرس فى الكلية الحربية، وفى عام 1952م عمل مديراً للمتحف الحربى، وتدرج فى المناصب حتى وصل لرتبة عميد، وبعد تقاعده من الخدمة العسكرية تقلد عدد من المناصب منها: سكرتير عام المحكمة العليا للفنون والسكرتير العام لمؤتمر الوحدة الأفروأسيوية وذلك فى عام 1959م، ثم عمل كرئيس تحرير مجلة "أخر ساعة" فى عام 1965م، وعضوا فى نادى القصة، ورئيساً لتحرير مجلة "الرسالة الجديدة"، وفى عام 1966م انتخب سكرتيراً عاماً لمؤتمر شعوب أسيا وأفريقيا اللاتينية، وعين عضواً متفرغاً بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بدرجة وزير، ورئيساً لمجلس إدارة دار الهلال فى عام 1971م، ثم اختير للعمل كوزير للثقافة فى مارس 1973م، وأصبح عضواً فى مجلس إدارة مؤسسة الأهرام عام 1976م، وفى عام 1977 تم انتخابه نقيبًا للصحفيين.

والده هو الأديب والمترجم محمد السباعي الذي كان من رواد النهضة الأدبية الحديثة في مصر.

تزوج من دولت طه السباعي وهي ابنة عمه، و هي عايدة في النصف الأول من رواية إني راحلة.. تزوجا بعد قصة حب طويلة بدأت منذ طفولتهما. كان يطلق عليها يوسف " مخضوضة هانم" نظرًا لخوفها الشديد عليه لدرجة أنها كانت تهرع إليه إذا وجدته واقفًا في شرفة المنزل وتمسك بملابسه خوفًا من سقوطه!! شيءٌ آخر كان سببًا لهذه التسمية هو أنها كانت ترفض تمامًا سفره بالطائرة، وفي إحدى المرات سافر دون أن يخبرها وعلمت بالخبر من الجرائد بعد عودته فانفجرت بالبكاء متسائلة : "ماذا لو سقطت الطائرة!.". في إهداءٍ إليها ضمن إحدى كتبه يقول لها السباعي: " إلى أحب من أوفى وأوفى من أحب".

من أعماله الأدبية:  " نائب عزرائيل، السقامات، طريق العودة، نحن لا نزرع الشوك، من العالم المجهول، مبكى العشاق، هذا هو الحب، لست وحدك"، وغيرهم الكثير

حادث الإغتيال:

كان الراحل يتولى منصب وزير الثقافة منذ عام 1973، وبحكم منصبه سافر إلى دولة قبرص، لحضور مؤتمر آسيوى أفريقى، وصل يوسف السباعى إلى العاصمة القبرصية نيقوسيا على رأس الوفد المصرى المشارك، فبينما كان ينزل من غرفته بالفندق، صباح يوم السبت 18 فبراير 1978، متجهًا إلى قاعة المؤتمرات بالمكان ذاته، وقف يطلع على بعض الصحف الصادرة صباح ذلك اليوم، حيث فوجى رواد الفندق، بقيام شخصين بإطلاق النار على السباعى، أصيب بعدد 3 طلقات منها، فارق الحياة على إثرها.

فى يوم 19 فبراير 1978، وارى جثمان يوسف السباعى الثرى، إلى مرقده الأخير، فى جنازة شعبية مهيبة.

تفاصيل الحادث:

وقعت جريمة اغتيال السباعى أثناء توجهه إلى قاعة اجتماعات مؤتمر منظمة التضامن المنعقد بفندق هيلتون فى نيقوسيا، 18 فبراير 1978، حيث أطلق إرهابى الرصاص عليه فسقط قتيلا، وقام آخر باحتجاز 30 شخصا فى كافيتريا الفندق تحت تهديد السلاح، وفقا للأهرام فى 19 فبراير 1978، مضيفة، أنه تم الإفراج عن السيدات، ثم عن ممثلى الكتلة الشرقية فى المؤتمر، والاحتفاظ بـ14 رهينة هم ممثلو الدول العربية، بينهم 4 مصريون هم: حسين رزق السكرتير الخاص ليوسف السباعى، وإدوارد الخراط مساعد السكرتير العام للمنظمة، وكمال بهاء الدين عضو اللجنة المصرية، وبهيج نصار عضو لجنة السلام.

ما بعدالإغتيال:

تذكرجريدة الأهرام أن الإرهابيين طلبا وضع طائرة خاصة تحت تصرفهما لتنقلهما مع الرهائن إلى جهة غير معلومة، وفى الساعة الثامنة والنصف غادرت المطار طائرة خاصة تقل الإرهابيين و11 من الرهائن وممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية وصلا من بيروت للاشتراك فى المفاوضات....

 بعد ذلك تبين أن الإرهابيين يتبعان جماعة أبونضال الإرهابية، وقالا إنهما ارتكبا الجريمة لأن السباعى ذهب مع السادات إلى إسرائيل يوم 19 نوفمبر 1977، ونزلت الطائرة فى جيبوتى وبعد تزودها بالوقود عادت إلى قبرص بعد رفض عواصم عربية استقبالها.

شيع جثمان السباعى فى القاهرة يوم 19 فبراير 1978، وفى الساعة السادسة من مساء نفس اليوم هبطت طائرة مصرية فى مطار لارنكا عليها قوات خاصة لتخليص الرهائن، مما اعتبره الرئيس القبرصى «كبريانو» تعديا على سيادة بلاده، وفور بدء الهجوم الشامل على الطائرة القبرصية التى بها المحتجزين، ردت القوات القبرصية، لتبدأ اشتباكات استمرت قرابة خمسين دقيقة، أسفرت عن تدمير الطائرة العسكرية المصرية وقتل 15 من رجال الصاعقة ومن طاقم الطائرة، وجرح ما يزيد على ثمانين مصابا من الطرفين، واحتجزت قبرص باقى القوة المصرية، وتذكر الأهرام كذلك أنه فى يوم 21 فبراير 1978، قام الدكتور بطرس غالى وزير الدولة للشؤون الخارجية  بالسفر إلى قبرص على متن طائرة خاصة بنقل الجنود يوم 20 فبراير، للتباحث مع السلطات القبرصية لاستعادة المحتجزين، وجثث الجنود والضباط المصريين، وبالفعل عاد فى نفس اليوم، ومعه 47 من القوة، و15 شهيدا و11 جريحا، واثنان من الرهائن هما، حسين رزق، وكمال بهاء الدين، وتخلف، بهيج نصار، وإدوارد الخراط فى قبرص بإرادتهما.

فى 22 فبراير شيع الآلاف شهداء العملية، وتقدم الرئيس السادات الجنازة، وتذكر الأهرام يوم 23 فبراير، أن الجنازة شهدت هتافات منها: «يا سادات، التار، التار، قلب الشعب مولع نار»..و«لا فلسطين ولا عرفات، اضرب، اضرب يا سادات»، وعلت هذه الهتافات وسط موجة هجوم ضد الفلسطينيين فى وسائل الإعلام الرسمية، رغم أن منظمة التحرير الفلسطينية أصدرت بيانا وصفت فيه اغتيال السباعى بأنه عمل يتسم بالجبن والإجرام، وتذكر جريدة الأهالى الأسبوعية، لسان حزب التجمع التقدمى يوم 22 فبراير 1978، أن بيان المنظمة استنكر موقف أولئك الذين يختبئون خلف هذه العملية، ويستخدمون اسم فلسطين فى مثل هذه العمليات البربرية.

توجه السادات بعد مشاركته فى الجنازة إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، وتذكر الأهرام، أنه التقى قوات رمزية من الصاعقة والقوات الجوية فى قاعة الشهيد عبدالمنعم رياض، وأعلن أمامهم، رفضه للحجج التى تذرع بها الرئيس القبرصى لتبرير التصرف الغادر من القوات القبرصية ضد القوات المصرية، وقال إنه على فرض أننا لم نستأذن من قبرص، فما كان يجب أن يحدث ما حدث، خاصة أن مصر قدمت لقبرص مساعدات لم تقدمها لها حتى اليونان رغم أن سكان الجزيرة من أصل يونانى، وأشار إلى أن يوسف السباعى الذى قتل فى قبرص ظل يدافع 22 سنة عن استقلال قبرص، وأنه بعد الإفراج عن «مكاريوس»، الرئيس القبرصى الراحل، من المنفى استقبلته مصر وكرمته.

وأعلن السادات سحب اعتراف مصر بالرئيس القبرصى «سبيروس كبريانو»، ورفضه أى لقاء معه حتى تفسر السلطات القبرصية ما حدث من غدر وخيانة ضد رجال الصاعقة المصرية، وتسليم المأجورين الذى اغتالا الشهيد يوسف السباعى، وحذر السادات العناصر الفلسطينية التى انصرفت لتأجير نفسها للقتل والإرهاب فى الصالات والملاهى، بينما تدافع مصر عن قضية فلسطين فى كل مكان، وأكد أن مصر قادرة على أن ترد كل ضربة بعشر ضربات، ولن يكون مصير مصر فى أيدى حفنة من العملاء.

التعليق السياسى على ذلك الحادث:

كان الطرفان المصرى والقبرصى على خطأ ، أما الطرف المصرى فقد أخطأ عندما أرسل رجال الصاعقة فى طائرة إلى مطار لارناكا دون أخذ موافقة الطرف القبرصى بل والكذب عليهم حيث أن قائد الطائرة العسكرية المصرية (سى 130) طلب رخصة للهبوط فى مطار لارنكا مدعيًا أنه على متن الطائرة وزيرًا مصريًا حضر خصيصًا للتفاوض مع القاتلين.ومنذ لحظة وصول قوات الصاعقة إلى مطار لارنكا، بدأت الهجوم من دون أي تصريح من الدولة القبرصية، وهذا ما اعتبرته قبرص عملية غزو عسكري لدولة مستقلة ذات سيادة ما أغضب الرئيس القبرصى الذى كان متواجدا فى برج المطار ليتابع الحادث بنفسه و المفاوضات مع الخاطفين وكان كلامه مع سفير مصر الأسبق فى قبرص السفير حسن شاش الآتى:

 "أنتم جايين تحتلوا قبرص.

أنتم إيه يا مصريين حد قال لكم أنتم تيجوا؟

أنا دولة محترمة إزاي تعملوا كده؟

كما أخطأ أيضا الطرف القبرصى عندما قام بالإشتباك مع قوات الصاعقة المصرية ولم تراعى قبرص ما قدمته مصر لها، وأخطأ أيضا عندما لم يقم بتسليم الخاطفين إلى مصر لمحاكمهتم وأيضا عندما قام بتخفيف الحكم على المختطفين بل وقام بتهريبهم خارج البلاد بجوازات سفر مزورة حسب ما قيل فى ذلك الوقت.