إعـدام توريخـوس ورفـاقه على شاطـئ ملقـا ( للفنان الاسباني انطـونيو جيسـبيـرت)

هذا القسم هو مختص بفن الرسم حيث يتم إلقاء الضوء على لوحة فنية قد تكون محلية أو عالمية من أجل تذوق الجانب الجمالى الفنى فيها ومن أجل معرفة السبب فى رسمها ، وهو قسم خاص لكل محبى فن التصوير والرسم..........

إعـدام توريخـوس ورفـاقه على شاطـئ ملقـا ( للفنان الاسباني انطـونيو جيسـبيـرت)

إعـدام توريخـوس ورفـاقه على شاطـئ ملقـا

( للفنان الاسبانى انطـونيو جيسـبيـرت)

عن اللوحة:

في عام 1823، قام الجيش الفرنسى بغزو أسبانيا للإطاحة بالحكومة الليبرالية وإعادة الملكيين الإسبان إلى السلطة وكان الملك الاسبانى فرديناند السابع قد تم عزله قبل ذلك بتسع سنوات، وكنوع من التودد والمداهنة للشعب فى بداية العودة كملك عليهم فقد تعهّد باحترام الدستور الذى قام بإعداده الليبراليون.

لكن بعد عودته إلى الحكم، قام الملك بإلغاء الدستور وأعلن عن عودة الحكم المطلق. وأدى ذلك إلى نشوب عدد من الثورات في أرجاء أسبانيا. ثم بدأ فرديناند وأنصاره عهدا بغيضا تم وصفه في التاريخ الاسبانى بـ "العشرية المشئومة"، فشدّدوا قبضتهم على الحكم وفرضوا رقابة مشدّدة على الصحافة وقاموا بملاحقة وقتل الزعماء الليبراليين واحدا تلو الآخر.

وكان أحد هؤلاء الليبراليين هو بطل لوحتنا خوسيه ماريّا توريخوس، وقد كان وزيرا للحرب أثناء الحكم الليبرالى للبلاد. وبالفعل فقد كان مؤمنا بالقيم الليبرالية ومناهضا للأنظمة الملكية ذات الحكم الشمولى التي كانت تحكم أوروبا آنذاك. وكان توريخوس قد قاتل فى حروب نابليون وشارك في عدد من الحركات المضادة للحكم الملكى في بلده أسبانيا.

كان الإسبان وقتها يتوقون لمجتمع أكثر حرية وأمنا. لكن تاريخ البلاد اصطبغ فى تلك الفترة وحتى ثلاثينات القرن العشرين بالحروب الأهلية الدامية والمستمرة.

ونتج عن تدخل الجيش الفرنسى لإعادة الملكية، فرار العديد من الجمهوريين الإسبان إلى المنافى، واختار توريخوس أن يلجأ إلى إنجلترا التى كان يحظى برعايتها ودعمها. لكن فى ديسمبر من عام 1831، قرر هو وثلاثة وخمسون من رفاقه أن يعودوا من منفاهم فى لندن كى يبدءوا معا تمردا أو ثورة ضد حكم الملك فرديناند.

وعند وصولهم إلى ملقا، نصب لهم حاكم المدينة شرَكا عندما أوهمهم بأنه سيدعم ثورتهم، بينما كان قد وشى بهم لدى الملكيين. وقد تم اعتقال توريخوس ورفاقه بمجرد وصول السفينة التى أبحروا على متنها إلى شاطئ ملقا، وبعد أسبوع أصدرت السلطة فى مدريد حكما بإعدامهم بلا محاكمة.

وقعت تلك الحادثة قبل اكتشاف آلات التصوير. وكانت الطريقة المتاحة للناس آنذاك كي يعرفوا تفاصيل الأحداث المهمّة هى إما بسماعها مباشرة من شهود عيان أو بتجسيدها من خلال عيون الرسّامين. وقد قام الفنّان انطونيو جيسبيرت برسم واقعة إعدام توريخوس ورفاقه بعد حدوثها بخمسين عاما (1887). وقد سافر الرسام كثيرا على مدى سنتين وقابل عائلات الرجال القتلى ليعرف المزيد عن شخصيّاتهم وكيف كانت تبدو ملامحهم.

تأثير اللوحة معنويا فى الشعب الإسبانى:

حادثة الإعدام تلك صدمت الإسبان بعنف. وبطبيعة الحال لم يكن مقدّرا للثوّار وقتها أن يوظفوا هذه اللوحة للدعاية السياسية لأنها لم تكن قد رُسمت بعد، لكنها أصبحت لوحة مهمة وملهمة كثيرا لخصائصها الفنّية الكامنة وكأنها صرخة مستمرة في وجه الحكم الشمولى.

وقد اختار الفنّان أن يرسم الواقعة على لوحة ضخمة وأن يجعل تعبيرات الأشخاص فيها واقعية بقدر الإمكان، كما استخدم أيضا مخيّلته الخاصة لرسم بعض التفاصيل. ولهذا الغرض زار الشاطئ عدّة مرّات وعاين المكان الذى وقعت فيه عملية الإعدام، كما درس طبيعة الطقس السائدة فى نفس الوقت من السنة الذى حدثت فيه المذبحة.

وصف اللوحة:

في اللوحة، يظهر توريخوس في المقدّمة بهيئة الرجل الرابع من اليمين الذي يرتدى ياقة بيضاء ويمسك بيدىّ رجلين أحدهما يرتدي معطفا رماديّا والآخر عجوز معصوب العينين.

بعض الرجال الواقفين ( رفاقه) يظهرون وهم معصوبو الأعين. بينما يبدو الكهنة وهم يتلون الصلوات الأخيرة على الرجال الذين ينتظرون موتهم. أما فرقة الإعدام التى ستقوم بتنفيذ عمليات القتل فتقف خلفهم. والرسام يعزز توتر المشهد بعرض جثث الأشخاص الذين أُطلقت عليهم النار للتو.

هذا المشهد المذهل حدث في فجر أحد أيّام الشتاء على الشاطئ. الأمواج تبدو هادئة والسماء ملبّدة بالغيوم، وعلى البعد تلوح بعض القرى النائمة فى الضباب.

منظر هذه الدراما الإنسانيّة الرهيبة يتباين بحدّة مع جمال وهدوء الطبيعة المحيط. ومن الواضح أن الرسام ركّز على تصوير الوقفات والتعبيرات التى تعلو الوجوه وعلى الجو المشحون بالخوف والرهبة.

رسم جيسبيرت هذه اللوحة فى عام 1887 أى فى زمن إزدهار الأفكار الرومانسية والقومية فى أوروبا، وهو الوقت الذى شهد تشكّل الدول الحديثة وإنتشار العنف والحروب الأهلية في غير مكان في أوروبا. ويمكن أيضا اعتبار الصورة بمثابة بيان يدافع عن حرّية الإنسان التى سحقها حكم غاشم.

والرسّام نفسه كان ليبراليا، وعلى الرغم من أنه توفى في بدايات القرن الماضي، إلا أن المشاعر التي رسم بها اللوحة والتأثير الذى أحدثته عاشت بعده زمنا طويلا. وما من شك فى أنه أراد أن يكون للوحة مضمون سياسى بالإضافة إلى طابعها الفنى والإبداعى.

الفنان الاسباني انطـونيو جيسـبيـرت:

ولد انطونيو جيسبيرت في ديسمبر من عام 1834. ودرس الرسم في أكاديمية سان فرناندو، ثم تتلمذ على يد الفنّان خوسيه مادرازو.

من المعروف أن جيسبيرت يستلهم مواضيع العديد من لوحاته من أحداث التاريخ الاسبانى. وقد رسمها جميعا بأسلوب عاطفى وحاول أن يروّج فيها للقضايا والأفكار الليبرالية التى كان يتبنّاها.

وفيما بعد أى في عام 1868، أصبح مديرا لمتحف برادو المشهور في مدريد حيث تُعرض اللوحة اليوم. وبعد ذلك بسنوات، انتقل للعيش في باريس التي ظلّ فيها إلى أن توفّى في نوفمبر من عام 1901.