إسماعيل المفتش ولعبة السياسة

إن لعبة السياسة ، قد تدفع بعض القادة – وحسب النظرية الميكافيلية- إلى التضحية بالآخرين المشاركين فى نفس الملعب السياسى بغية إحداث إستقرار قد يكون الظن أنه لن يحدث إلا بهذه التضحية ومن المؤسف ألا تتوقف التضحية بذلك الآخر عند حد العزل من منصب سياسى مهم أو النفى إلى خارج البلاد بل قد يتجاوز ذلك إلى القتل السياسى تحت رداء من الخديعة والغدر وقد حدث ذلك فيما تمت تسميته بمذبحة القلعة التى أدارها محمد على، وها هى حادثة أخرى يذكرها التاريخ بطلاها صديقين عزيزين بل أخوان فى الرضاعة وهما الخديوى إسماعيل وإسماعيل باشا المفتش، فإلى المقال الذى يتحدث عنهما....

إسماعيل المفتش ولعبة السياسة

إسماعيل المفتش ولعبة السياسة


إسماعيل باشا المفتش
:

إسماعيل باشا صديق، المعروف باسم إسماعيل باشا (المفتش) ( ولد فى عام 1830 ـ واختفى في 18 نوفمبر 1876) هو سياسي مصري تولى منصب وزير المالية في عصر الخديوى إسماعيل؛ الذي كان أخاه في الرضاعة بحكم إرضاع أم إسماعيل صديق للخديو.

الخديوى إسماعيل

ولد إسماعيل صديق المفتش في عزبة أبيه بأسيوط (على أرجح الأقوال) سنة 1830، وكان والده "دونالى مصطفى أغا باشا" من قادة الجيش، أما أمه فكانت كبيرة وصيفات القصر وصديقة شخصية لخوشيار هانم والدة الخديو إسماعيل، وكان له أخوان هما : إبراهيم صائب بك ونشأت بك؛ كما أن الابنة بالتبني للزوجة الثالثة للخديوي إسماعيل جشم آفت (فايقة هانم افندى) قد تزوجت من ( مصطفى باشا صديق ) ابن إسماعيل باشا المفتش ورزقت منه ب حسن بك، إبراهيم بك، فهيمة هانم، سيزا هانم، فاطمة هانم، بهية هانم، روحية هانم.

كانت أول وظيفة رسمية تولاها المفتش "مُسيّر الركائب" (أي رئيس الاسطبلات) للوالي عباس باشا، ثم صار مفتشا بالدائرة السنية بمديرية الشرقية، وبلغت أملاكه 130 فدانًا، ثم انتقل إلى مدينة السنطة، ومنها صار مفتش عموم الدائرة السنية حتى مارس 1863، وأُنعم عليه برتبة الباشوية، ونال النيشان العثماني من الدرجة الثالثة، ووصلت أطيانه في ذلك الوقت إلى 805 أفدنة.

كان الصعود الحقيقي لإسماعيل المفتش مع تولي أخيه في الرضاعة الخديو إسماعيل حكم مصر؛ إذ عينه إسماعيل مفتشًا للأقاليم البحرية، فنجح في إدارة تفتيشها وضبط كشوفه إلى درجة أثارت إعجاب الخديو فأرسل نموذجًا من تلك الكشوف إلى كل مديريات الوجه القبلي لتكون مثالًا يُحتذى في ضبط وتنظيم الكشوف؛ بعدها غلب عليه مسمى وظيفته (مفتش) على لقبه الأصلي (صديق)؛ حيث هذا ما كان شائعاً ورائجاً في زمانه. توسعت سلطات المفتش فيما بعد، فمنحه الخديو إسماعيل حق فصل وتعيين المستخدمين في المديريات الواقعة في إدارته حتى منصب الوكيل، وكان ذلك من سلطة الخديو فقط، وصار من حق المفتش تعيين وفصل العمد ومشايخ البلاد والمأمور والناظر. وقام بإجراءات واسعة لصالح الأهالي، فقد أجرى الأطيان بجهات الشرقية ودمياط على الأهالى بلا تميز، رغم أن الأوامر السابقة كانت عدم توزيعها على الأهالي حفاظًا عليها من البوار، كما ضبط جميع أطيان وعقارات الأوروبيين في مصر؛ إذ طلب من جميع المديريات الواقعة في نطاق تفتيشه تحرير كشوف بما امتلكه الأجانب. لأجل المراجعة والتأكد من موقفهم من العوائد والرسوم المقررة، منعًا للتهرب الذي حدث من بعضهم وحفاظًا على المال العام. وكان بعض الأوربيين ينشئون كثيرًا من وابورات حلج الأقطان دون الحصول على ترخيص من الحكومة، فمنعهم المفتش من ذلك، لما يترتب عليها من روائح كريهة وحرائق لقربها من المساكن وشكوى الأهالي، ووضع شروطا للموافقة على الترخيص لهم. وكانت شروطا تعجيزية مثل موافقة الحكومة وموافقة مفتش الهندسة وغيرها من الجهات، وقد أتاح ذلك للمصريين إقامة وابورات الحلج.

كُلف إسماعيل المفتش بالإشراف على إنشاء سكة حديد بنها - قليوب ومحطة كفر حمزة، وقام بتنظيم الأمور الخاصة بعمليات السخرة، فاستبعد المتوفين والمهاجرين من تعداد سكان القرى، واستبعد "أرباب الكارات والحرف والتجار" وأعفى خُدام المساجد والكنائس والشيوخ المتقدمين في السن والأولاد الذين تقل أعمارهم عن عشر سنوات، والكتاب والأنفار المخصصين للأبعاديات والأطيان، كما أصدر أمرًا باستبعاد كل من جاوز الأربعين من السخرة.

عمل المفتش أيضًا على توطين العربان، والقضاء على تمرداتهم وما كانوا يقومون به من نهب وسرقة، وقتل وخطف، بمصادرة أسلحتهم تارة وبمنحهم الأراضي تارة أخرى، وأقره الخديو إسماعيل على ذلك. كما أنشأ المفتش مصنعًا للورق لسد حاجة الحكومة منه، مستغنيًا عن الورق المستورد، وأشرف على إنتاج المصنع وجودته حتى استطاع أن يصدر الورق إلى الخارج، كما اهتم بإنشاء المدارس وجمع التبرعات لهذا الغرض، واستغل سلطته في فصل وتعيين المستخدمين وغيرهم، فتخلص من بعض الموظفين الأتراك وعين مصريين بدلا منهم.

أما في الأول من أبريل عام 1868، فقد تولى إسماعيل صديق (المفتش) أهم مناصبه ألا وهو نظارة المالية، وظل بها ثمان سنوات انتهت عندما فُصل من الخدمة في 8 نوفمبر 1876. وفي فترة توليه للمالية أضيفت إليه لمدة عام نظارة الداخلية والدائرة السنية، وأسندت إليه أيضًا وظيفة مفتش العموم لمدة 27 شهرًا، كما كان من أعضاء المجلس الخصوصي، حتى سُمي في ذلك الوقت ب"الخديو الصغير".. 

ثم تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، وتجئ أيام السوء لإسماعيل المفتش بعد أعوام من العسل والحفاوة من قبل الخديو إسماعيل ويسرد المؤرخ المصري جمال بدوي في كتابه «كان وأخواتها.. مشاهد حية من تاريخ مصر الحديث»، الأسباب التي قادت الخديوى إسماعيل إلى إنهاء حياة أخيه في الرضاعة، إذ عندما تولى إسماعيل المفتش مهام «المالية»، أمسكت البنوك الأوروبية يدها عن إقراض إسماعيل بعدما لاحت على دولته تباشير الإفلاس. من هنا تحولت سياسة الخديو إلى الداخل، وقرر الانقضاض على أموال المصريين بمعاونة شقيقه « إسماعيل المفتش»، الذي يمتلك جيشًا من «زبانية السلطة ورجال الإدارة» بحكم اشتغاله مفتشًا عامًا على عموم القطر المصري، استطاع من خلاله أن يتعقب الفلاحين في عقر دارهم ويستخرج ما لديهم من أموال بالقمع والإرهاب.

وفي سبيل ابتزاز أموال الفلاحين البسطاء، انتهح «المفتش» مجموعة سياسات يقول عنها المؤرخ «لا تقل انحطاطًا عن أساليب الحواة ولاعبي الثلاث ورقات»، فكان يبيع المحاصيل الزراعية للمرابين الأجانب وهي شجيرات خضراء في الحقول، فيتعهد بتسليمها لهم بعد جني المحصول، ثم تبيع الدولة المحصول نفسه لتجار آخرين. وإذا اشتكى الأجانب إلى قناصلهم، تولى «المفتش» تعويضهم بشراء المحصول الذي باعه لهم بسعر أعلى من الأول بـ20% !!!

وابتكر «المفتش» أيضًا وسيلة أخرى ضد الفلاحين المصريين، أجبرهم فيها على دفع ضريبة الأطيان لمدة 6 سنوات مقدمًا مقابل الإعفاء من نصف الضريبة إلى الأبد، وهو ما عرف بـ«قانون المقابلة». ولما امتنع بعض الفلاحين عن الدفع، لجأ «المفتش» إلى إرهابهم ليؤكد لهم أن «مشيئة الملوك لا ترد».

أما أعظم الجرائم التي ارتكبها «المفتش»، فهي إيعازه للخديوى ببيع نصيب مصر في أسهم شركة قناة السويس، حوالي 50% من الأسهم، وذلك مقابل 4 ملايين جنيه. وهو أيضًا الذي فاوض القنصل البريطاني في الصفقة، وهو الذي وضع خاتمه على الأسهم قبل أن يتسلمها القنصل وينقلها إلى لندن.

بداية النهاية:

عندما تشكلت الحكومة المختلطة برئاسة نوبار باشا، وأعلنت الرقابة الثنائية من إنجلترا وفرنسا، واجه «المفتش» أو «الخديوى الصغير» خطرًا كبيرًا من قبل الإنجليز. كان الرقيب الإنجليزي، يدعى «جوشن»، يضمر عداءً شخصيًا للمفتش لأسباب قديمة، فأخذ يقلب في الدفاتر حتى اكتشف أن البلاد لا يوجد بها ميزانية حقيقية، وأن المسألة لا تعدو أن تكون ضيعة خاصة يرتع فيها الخديوى وأخوه. لذا أمر «جوشن» بإزاحة إسماعيل المفتش، فامتنع الخديو عن ذلك وأوجس في نفسه خيفة باعتباره شريك لأخيه في كل جرائمه. عندئذ هدد الإنجليز بتقديم «المفتش» للمحاكمة بتهمة اختلاس 40 مليون جنيهًا، وهنا اقتنع الخديوى بضرورة اختفاء أخيه من الحياة كلها خوفًا من كشف المستور وما بينهما من أمور مالية.

الإعدام والمأساة المفجعة:

في صباح اليوم الموعود،وهو يوم الإعدام، استدعى الخديو أخاه «المفتش» ليصحبه في نزهة خلوية على ضفاف النيل، وأخذتهما السيارة الخديوية على مرأى من الجميع في اتجاه قصر الجزيرة «فندق الماريوت حاليًا»، ولما وصلا بوابة القصر، ألقى الحرس القبض على «المفتش»، كما استصدر الخديوى قرارًا من المجلس المخصوص «مجلس الوزراء» بإبعاد أخيه إلى دنقلة بالسودان.

حمل مصطفى باشا فهمي ( محافظ القاهرة، ورئيس الوزراء فيما بعد وصهر سعد باشا زغلول) القرار إلى «المفتش» في قصر الجزيرة، ثم صعد به إلى سفينة نيلية كانت في انتظارهما، وألقي بـ«المفتش» في إحدى غرفها، ومكث المحافظ على ظهر السفينة في انتظار تنفيذ عملية الإعدام بواسطة إسحق بك، وهو رجل تركي متخصص في تلك العمليات، وكان يملك قبضتين فولاذيتين، فيهجم باليسرى على فم الضحية ليكتم أنفاسه، بينما يقبض باليمنى على الخصيتين فيعتصرهما حتى يلفظ أنفاسه.

وفي اللحظات الأولى من إبحار السفينة، تقدم إسحق بك من «المفتش»، وقام بمهمته خير قيام في أقل من 5 دقائق، ظن بعدها أن «المفتش» قد أسلم روحه، فمد يده لانتزاع الخاتم الذهبي الذي يضعه «المفتش» في سلسلة ذهبية تحيط بعنقه، لكن الضحية لم تكن لتفارق الحياة قبل الانتقام، ففتح «المفتش» فمه وقضم إصبع إبهام إسحق بك حتى قطعه تمامًا، وسقط بعدها طريحًا على أرض السفينة.

عندما تيقن أفراد السفينة من وفاة الضحية، تقدم بعض الحرس ووضعوا الجثة في جوال غليظ ومعه أحجار ثقيلة، ثم ألقوا به في النيل، حتى استقر في القاع، ثم توقفت السفينة أمام ساحل المعادي، وهبط منها المحافظ إلى عربة خديوية نقلته إلى قصر عابدين، ليزف إلى مولاه خبر الخلاص.

ما تم تداوله بين الناس عن تلك الجريمة:

واصلت السفينة طريقها إلى السودان، وهي ترسل إلى القاهرة كل حين برقيات مكذوبة تنشرها الصحف عن حالة «المفتش»، الذي لا يكف عن البكاء وشرب الخمر.

وبعد أسبوع من وصولها إلى دنقلة، تطوع طبيب إنجليزي بكتابة تقرير يزعم فيه أن «المفتش» مات متأثرًا من انفجار الزائدة الدودية، وأنه سمح بدفنه بعد أن وقع الكشف الطبي عليه، ونشرت الصحف ذلك الخبر المكذوب، ويقول المؤرخ:

  «وكان الناس يقرأون الصحف ويبتسمون.. وكان الناس في ذلك العهد نادرًا ما يبتسمون».