إستشهاد عمر بن الخطاب

لقد كان الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه أحد وزيرى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو صهره وموضع ثقته وأحد العشر المبشرين بالجنة، ويوم إسلامه كان عيدا للمسلمين فقد تشجع الراغبين فى دخول الإسلام بإسلام كلا من عمربن الخطاب وأسد الله حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنهما لأنهما كانا بحق مثالا للشجاعة ومكارم الأخلاق والجرأة فى الحق وعدم التأخر عن نصرة الضعيف أو المظلوم، وفى هذا المقال سنكتفى بعرض الأيام الأخيرة من حياة الفاروق رضى الله عنه، فإلى المقال....

إستشهاد عمر بن الخطاب

إستشهاد عمر بن الخطاب

عندما تولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه خلافة المسلمين وصار أميرا للمؤمنين، فقد ازدهر الإسلام وأثمرت الفتوحات الإسلامية الممتدة عن زيادة رقعة الإسلام كى تمتد شرقا وغربا، وبالطبع أوغر ذلك نفوس المنافقين وأعداء الإسلام الذين ظنوا أن الإسلام قد يندثر بوفاة الرسول الكريم أو خليفته أبو بكر الصديق، وهكذا فشرعوا فى تخطيط السوء ومن ذلك أن أقدم رجل مجوسى منافق اسمه أبو لؤلؤة المجوسى على قتل الخليفة عمر بن الخطّاب رضى الله عنه في يوم 26 من ذى الحجّة لسنة 23 للهجرة الموافق لسنة 644 ميلادية.

وعن ذلك تقول المصادر بأن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قد أصدر أمرا تنظيميا أمنيا حصيفا بمنع دخول المدينة المنوّرة لمن بلغ الحلم من أهل الأمصار حديثة العهد بالفتح لأن المدينة المنورة هى عاصمة الخلافة والمتربصين كثر والمدن حديثة العهد بالفتح يكثر بها متزعزعى الإيمان والمنافقين كارهى الإسلام ولم تمر بعد الفترة الزمنية اللازمة لفرز الطيب من الخبيث منهم، ولكن المغيرة بن شعبة والى العراق استأذن أمير المؤمنين فى أن يدخل أحدهم المدينة إنتفاعا بحذاقته فى مهنته  إذ كان نجّارًا وحداداً ماهراً، وقد كان اسم هذا الرّجل فيروز ويكنّى بأبى لؤلؤة وهو مجوسى الأصل، تظاهر بالإسلام ولكنه كان كارها للإسلام مضمرا للشر.

وقد كان عمر رضى الله عنه يستشعر من داخله أن فيروز هذا رجل سوء إذ فى أحد الأيام قد مر عليه أثناء إشتغاله بصناعة الرحى، فقال أبو لؤلؤة: لأصنعنّ لك يا أمير المؤمنين رحى يتحدث بها النّاس، وقد فهم أمير المؤمنين مراد أبى لؤلؤة، فقال لأصحابه: إنّ العلج يتوعّدنى، وقد نهى عمر الصّحابة عن قتله؛ لأنّه لا يصحّ القتل بالشّبهة....

أبو لؤلؤة والمهمة القذرة:

حينما قرّر أبو لؤلؤة تنفيذ مهمته القذرة، قام بصنع خنجر ذى نصلين ووضع عليه سماً قاتلًا، فتوجّه إلى المسجد حيث كان عمر يؤم النّاس فقام بطعن عمر فى ظهره عدّة طعناتٍ ثم أخذ يفر هارباً. حاول الصّحابة الإمساك به فكان يطعن فى كلّ مرّة أحدهم حتّى رمى عليه عبد الرّحمن بن عوف رداءه فأيقن أنّه واقعٌ بين أيديهم لا محالة فطعن نفسه بخنجره فمات.

عمر وسكرات الموت:

عندما تم طعن سيدنا عمر رضي الله عنه، أوتي بالحليب فشربه فخرج الحليب من خاصرته.. فقال له الطبيب: أوصى يا أمير المؤمنين فإنك لن تعيش!.

 ‏فنادى ابنه عبدالله بن عمر وقال له:

ائتنى بحذيفة بن اليمان...

فجاء حذيفة وهو الصحابى الذى أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم جدولا بأسماء المنافقين، ولا يعرفهم إلا الله ورسوله وحذيفة!.

‏قال عمر والدماء تجرى من خاصرته: يا حذيفة بن اليمان أناشدك الله هل قال الرسول اسمي بين المنافقين!؟..

 فسكت حذيفة ودمعت عيناه وقال: ائتمننى على سر لا أستطيع أن أقوله يا عمر.. قال: بالله عليك قل لى هل قال رسول الله اسمى بينهم!؟ فبكى حذيفة وقال: أقول لك ولا أقولها لغيرك والله ما ذكر اسمك عندى!.

فقال عمر لأبنه عبد الله: بقي لى من الدنيا أمر واحد.. فقال له: ما هو يا أبى؟ فقال: أن ادفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيا بنى إذهب إلى عائشة أم المؤمنين ‏ولا تقل أمير المؤمنين بل قل عمر يستأذنك أنتِ صاحبة البيت إن أذنت ‏أن يدفن عمر تحت قدمى صاحبيه، فقالت عائشة: نعم قد كنت أعددت هذا القبر لى واليوم أتركه لعمر!.

‏فعاد عبد الله فرحًا وقال: يا أبتاه قد أذنت، ثم رأى خد أبيه على التراب فجلس عبد الله ووضع خده على فخذه فنظر إلى ابنه وقال: لم تمنع خدى من التراب!؟.. فقال والدمع في عينيه: يا ابتاه!.

قال عمر: ضع خد أبيك على التراب ليمرغ به وجهه فويل عمر إن لم يغفر له ربه غدًا !.

رغم أن الفاروق عمر بن الخطاب  رضي الله عنه من المبشّرين بالجنة، ومشهود له بالإيمان والتقوى، وبذل الكثير من الجهد في سبيل إقامة حكم الله والعدل والزهد والجهاد وغير ذلك من الأعمال الصالحة، غير أنه ظل حتى اللحظات الأخيرة من حياته وفى سكرات الموت يخاف من عذاب الله  سبحانه وتعالى وكان يردد: " ويلى إن لم يغفر الله لى...."، وفي ذلك الكثير من العبر والعظات البليغة، فهذا الفاروق عمر ( ثاني الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة) يخاف عذاب الله، وهو فى النزع الأخير يريد أن يعلمنا درساً بليغاً بضرورة أن يكون المؤمن فى تذكر دائم لعذاب الله الشديد وأهوال يوم القيامة.

ولما تم طعن عمر قال: یا ابن عباس انظر من قتلنى. فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة. فقال: الصانع؟! قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفاً، الحمد الله الذى لم یجعل میتتی بید رجل يدّعى الإسلام، فدخلوا عليه وفيهم رجل شاب، فإذا إزاره يمس الأرض فقال: يا ابن أخى ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك.

قال ابن عباس رضى الله عنه: يا أمير المؤمنين! أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- حين خذله الناس، وقتلت شهيداً ولم يختلف عليك اثنان، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، فقال له: أعد علىّ مقالتك، فأعاد عليه فقال: المغرور من غررتموه، والله لو أن لى ما طلعت عليه الشمس أو غربت لافتديت به من هول المطلع.....

وذكر ابن الجوزى فى كتاب مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أن ابن عباس قال: يا أمير المؤمنين، والله إن كان إسلامك لنصراً، وإن كانت إمارتك لفتحاً، والله لقد ملأت الأرض عدلاً، ما من اثنين يختصمان إليك، إلا انتهيا إلى قولك. فقال عمر : أجلسونى، فلما جلس قال لابن عباس: أعد علىّ كلامك، فلما أعاد عليه قال: أتشهد لى بهذا عند الله عز وجل يوم القيامة؟ فقال ابن عباس: نعم، ففرح عمر بذلك وأعجبه.

قال سعد بن أبى وقاص: طعن عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين، وطعنه أبو لؤلؤة المجوسى، ودفن يوم الأحد صبيحة هلال المحرم...