أبو عبيدة بن الجراح ( أمين الأمة الإسلامية)

كثير هم أبطال الإسلام الذين ساهموا فى رفع لواء الإسلام فى الآفاق، ونخص منهم أولئك الذين آمنوا بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وشهدوا بوحدانية الله منذ بدء الدعوة الإسلامية، وأفضل البشر بعد رسول الله والأنبياء هم بلا شك الصحابة رضوان الله عليهم وأفضل الصحابة هم الأوائل منهم والذين ذكرهم رسول الله كمبشرين بجنته سبحانه وتعالى، وكذا من أفضل الصحابة وأكرمهم مكانة أولئك الذين شهدوا معه أول حرب بين الحق والباطل ألا وهى غزوة بدر الكبرى، وعندما نقول كل ذلك فيكفى أن نشير بالبنان إلى أمين هذه الأمة ( أبو عبيدة بن الجراح) رضى الله عنه......

أبو عبيدة بن الجراح ( أمين الأمة الإسلامية)

أبو عبيدة بن الجراح ( أمين الأمة الإسلامية)

إنه الصحابى الجليل أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح  رضي الله عنه ( أحد العشرة المبشرين بالجنة) ، وكان من أحب الناس إلى الرسول  فقد سئلت عائشة  رضي الله عنها  : " أى أصحاب رسول الله كان أحب إليه ؟ قالت : أبو بكر ، قيل : ثم من ؟ ، قالت : عمر ، قيل ثم من ؟ قالت : أبو عبيدة بن الجراح .... [الترمذي وابن ماجة] .

سماه رسول الله ( أمين الناس والأمة ) حيث قال : " لكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح " [البخاري] .

ولما جاء وفد نجران من اليمن إلى الرسول صلي الله عليه وسلم طلبوا منه أن يرسل معهم رجلا أمينا يعلمهم ، فقال لهم : " لأبعثن معكم رجلا أمينا ، حق أمين "  فتمنى كل واحد من الصحابة أن يكون هو ، ولكن النبى اختار أبا عبيدة ، فقال : " قم يا أبا عبيدة "   [البخاري] .

وقد هاجر أبو عبيدة إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، وفي المدينة آخى الرسول بينه وبين سعد بن معاذ  رضى الله عنهما، ولم يتخلف أبو عبيدة عن غزوة غزاها النبى ، وكانت له مواقف عظيمة في البطولة والتضحية ...

 ففي غزوة بدر رأى أبو عبيدة أباه في صفوف المشركين فابتعد عنه ، بينما أصر أبوه على قتله ، فلم يجد الابن مهربًا من التصدى لأبيه ، وتقابل السيفان ، فوقع الأب المشرك قتيلا ، بيد إبنه الذى آثر حب الله ورسوله على حب أبيه ، فنزل قوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم  المفلحون ) [المجادلة : 22]

وفي غزوة أحد ، نزع الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر (غطاء الرأس من الحديد وله طرفان مدببان) في وجه النبي ( من ضربة أصابته ، فانقلعت ثنيتاه ، فحسن ثغره بذهابهما . [الحاكم وابن سعد] .

          وكان أبو عبيدة على خبرة كبيرة بفنون الحرب ، وحيل القتل لذا جعله الرسول ( قائدًا على كثير من السرايا ) ، وقد حدث أن بعثه النبى أميرًا على سرية سيف البحر ، وكانوا ثلاثمائة رجل فقل ما معهم من طعام ، فكان نصيب الواحد منهم تمرة فى اليوم ثم اتجهوا إلى البحر، فوجدوا الأمواج قد ألقت حوتًا عظيمًا ، يقال له العنبر ، فقال أبو عبيدة : ميتة ، ثم قال : لا ، نحن رسل رسول الله وفي سبيل الله ، فكلوا ، فأكلوا منه ثمانية عشر يومًا . [متفق عليه] .

وقال عمر بن الخطاب  رضي الله عنه  لجلسائه يومًا : تمنوا ، فقال أحدهم : أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم ، فأنفقها في سبيل الله. فقال: تمنوا ، فقال آخر : أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهبًا ، فأنفقه في سبيل الله ، فقال عمر : لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالاً من أمثال أبي عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان ، فأستعلمهم في طاعة الله . [البخاري] .

وكان أبو عبيدة  رضي الله عنه  كثير العبادة يعيش حياة القناعة والزهد ، وقد دخل عليه عمر  رضي الله عنه  وهو أمير على الشام ، فلم يجد في بيته إلا سيفه وترسه ورحله ، فقال له عمر : لو اتخذت متاعًا (أو قال: شيئًا ) فقال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين ، إن هذا سيبلِّغنا المقيل (سيكفينا).

وقد أرسل إليه عمر أربعمائة دينار مع غلامه ، وقال للغلام : اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح  رضي الله عنه  ثم انتظر في البيت ساعة حتى ترى ما يصنع ، فذهب بها الغلام إليه ، فقال لأبي عبيدة : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال أبو عبيدة : وصله الله ورحمه ، ثم قال : تعالى يا جارية ، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها .

وكان يقول : ألا رب مبيض لثيابه ، مدنس لدينه ، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ! بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات .

وفي سنة 18هـجرية،  أرسل عمر بن الخطاب  رضي الله عنه  جيشًا إلى الأردن بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ، ونزل الجيش في عمواس بالأردن ، فانتشر بها مرض الطاعون أثناء وجود الجيش وعلم بذلك عمر ، فكتب إلى أبي عبيدة يقول له : إنه قد عرضت لى حاجة ، ولا غنى بي عنك فيها ، فعجل إلىّ . فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب عرف أن أمير المؤمنين يريد إنقاذه من الطاعون  فتذكر قول النبى : "الطاعون شهادة لكل مسلم" [متفق عليه] .

 فكتب إلى عمر يقول له: إنى قد عرفت حاجتك فحللني من عزيمتك ، فإني في جند من أجناد المسلمين ، لا أرغب بنفسي عنهم . فلما قرأ عمر الكتاب  بكى ، فقيل له : أمات أبو عبيدة؟! قال : لا ، وقال له بعد ذلك:  اذهب  إلى منطقة الجابية حتى لا يهلك الجيش كله ، فذهب أبو عبيدة بالجيش حيث أمره أمير المؤمنين ، ومرض بالطاعون ، فأوصى بإمارة الجيش إلى معاذ بن جبل ، ثم توفي رضى الله عنه  وعمره (58) سنة ، وصلى عليه معاذ بن جبل ، ودفن ببيسان بالشام....

المصادر :

كتاب "البداية والنهاية" / الجزء السابع لابن كثير / كتاب العظماء المائة .